استخدمت دراسة حديثة أعدها باحثون من جامعة الشارقة رمال الصحراء لإنتاج طوب صديق للبيئة، بدلا من الطوب المصنوع من الأسمنت البورتلاندي العادي. ونشرت النتائج في مجلة "إيه إس سي إي لايبراري".
وفي تصريح خاص للجزيرة نت، يقول أستاذ هندسة الأساسات والجيوتقنية بكلية الهندسة في جامعة الشارقة الدكتور محمد جمال عرب، إن جزءا كبيرا من أبحاثه يتركز على تطوير مواد بناء مستدامة ذات أداء عال وبصمة كربونية منخفضة، ويتمثل شغفه البحثي في تحويل التحديات البيئية إلى فرص هندسية مبتكرة، خصوصا في المناطق الجافة التي تمتلك موارد طبيعية وفيرة مثل الرمال الصحراوية ولكنها غير مستغلة بالشكل الأمثل في التطبيقات الإنشائية.
ويضيف: "لطالما كنت مفتونا بمجال الهندسة المستوحاة من خلق الله عز وجل، حيث نستمد حلولا هندسية من الأنظمة الطبيعية التي أثبتت كفاءتها عبر ملايين السنين، وعندما ننظر إلى التكوينات الجيولوجية الطبيعية، نجد أنها صمدت لمئات بل آلاف السنين في مواجهة ظروف قاسية من حرارة وتغيرات بيئية شديدة"
ويوضح محمد أن هذا يدفعنا دائما للتساؤل: هل يمكننا تصميم مواد بناء مستوحاة من هذه الأنظمة الطبيعية، بحيث تكون أكثر تماسكا، وأكثر مقاومة للعوامل البيئية، وقادرة على البقاء لعقود طويلة وربما قرون؟
من هذا المنطلق، جاءت فكرة تطوير طوب صديق للبيئة يعتمد على الرمل الصحراوي ومخلفات ناتجة عن عمليات صناعية، بهدف تقليل الاعتماد على الأسمنت التقليدي الذي يعتبر أكثر المواد تلويثا في صناعة البناء.
وبحسب الدراسة، فإن إن هذا الطوب يمتاز بأنه يجمع بين الاستدامة البيئية والأداء الميكانيكي الجيد فهو يعتمد على الرمل الصحراوي المتوافر بكثرة في البيئة الخليجية، ويستخدم مواد من مخلفات الصناعة مثل خبث الأفران العالية والرماد الناتج عن عمليات الحرق المختلفة بدلا من الاعتماد على الأسمنت البورتلاندي التقليدي المعروف بارتفاع انبعاثاته الكربونية، وهذا يساهم في تقليل البصمة الكربونية لقطاع البناء.
ومن الناحية الفنية، أظهرت النتائج أن بعض الخلطات حققت مقاومة ضغط وانحناء أعلى من الطوب المعالج بالأسمنت البورتلاندي، إضافة إلى أداء متميز في اختبارات المتانة مثل مقاومة الكبريتات ودورات البلل والجفاف وامتصاص الماء.
كما أن تصلبه يتم في درجة حرارة الغرفة دون الحاجة إلى أفران حرق، ما يقلل استهلاك الطاقة ويجعل عملية التصنيع أكثر كفاءة بيئيا.بشكل عام، يمثل هذا الطوب خيارا واعدا لمواد بناء أكثر استدامة دون التضحية بالمتانة أو الأداء.
ومن حيث الأداء البيئي وبعض الخصائص الميكانيكية والمتانة، تشير النتائج إلى أن هذا الطوب يمكن أن يكون أفضل من غيره في حالات معينة. أما من الناحية التجارية فيتطلب الأمر استكمال الدراسات الميدانية على نطاق أوسع.
وبسؤال الدكتور محمد حول الميزة من عدم المعالجة الحرارية لهذا الطوب أثناء التصنيع، يقول إن الميزة الأساسية لعدم المعالجة الحرارية هي تقليل استهلاك الطاقة بشكل كبير، فإنتاج الطوب الطيني التقليدي يتطلب الحرق في أفران تصل درجات حرارتها إلى نحو 900–1000 درجة مئوية، وهي عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة ومرتبطة بانبعاثات كربونية مرتفعة.
ويضيف: "أما في بحثنا المنشور، فقد تم تحقيق مقاومة ميكانيكية جيدة ومعايير متانة مناسبة في ظروف المعالجة العادية عند درجة حرارة الغرفة دون الحاجة إلى أي معالجة حرارية إضافية. وهذا يمثل تقدما مهما، لأنه يجعل التقنية أكثر قابلية للتطبيق الصناعي، ويخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية المرتبطة بالإنتاج".
وحول إمكانية استخدام هذا الابتكار الجديد تجاريا قريبا، يقول الدكتور محمد: "من الناحية التقنية النتائج التي توصلنا إليها تظهر أن المادة ناضجة علميا إلى حد كبير وقادرة على تحقيق متطلبات الأداء الميكانيكي والمتانة وفق اختبارات معيارية، وهو ما يجعلها مرشحة بقوة للانتقال إلى المرحلة التطبيقية".
ويضيف: "لكن الانتقال من المختبر إلى السوق يتطلب عدة خطوات إضافية، من بينها تنفيذ تجارب إنتاج على نطاق شبه صناعي، وإجراء تحليل اقتصادي شامل ودراسة دورة الحياة، إضافة إلى استيفاء متطلبات المواصفات والاعتمادات المحلية لكل دولة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة