في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تتوقف الشمس عن الزفير يوميا مطلقة أنفاسها تجاه كوكب الأرض، وهذه الأنفاس التي تتكون من إلكترونات وبروتونات وأيونات خفيفة، تسمى مجتمعة "الرياح الشمسية"، يواجهها درع الأرض المغناطيسي الذي يصد أغلبها، لكنه في منطقتي القطبين الشمالي والجنوبي لا يكون محكما بالكامل، حيث تصبح خطوط هذا الدرع رأسية عند القطبين، ما يترك "فتحات طبيعية" تسمح لجسيمات الشمس المشحونة بالدخول بسهولة إلى الغلاف الجوي العلوي، حيث تتفاعل مع ذرات الأكسجين والنيتروجين في طبقة الأيونوسفير (تمتد من 60 كم إلى 1000 كم تقريبا فوق سطح الأرض)، منتجة ضوءا ساحرا.
وإذا كان من المعتاد رؤية تلك الظاهرة التي تسمى "الشفق القطبي" في القطبين الشمالي والجنوبي، فإن ظهورها في شمال الجزائر ليلة 10 مايو/أيار 2024 كان حدثا تاريخيا وغير مسبوق.
وتزامن هذا الظهور غير المسبوق مع ذروة النشاط الشمسي، الذي يحدث مع الدورة الشمسية كل 11 عاما، حيث تتكرر خلالها الانفجارات الشمسية بشكل أكبر وتزداد احتمالية ظهور الانبعاثات الكتلية القوية، بينما في فترات الهدوء الطبيعية تكون هناك رياح شمسية ذات نشاط أقل، لذلك يبقى الشفق وقتها محصورا قرب القطبين.
وأطلقت الشمس في مايو/أيار 2024 انبعاثا كتليا إكليليا، كان أقوى من المعتاد، فاستقبلت الأرض دفعات عنيفة ومركزة من البلازما والمجال المغناطيسي، التي تختلف عن الرياح الشمسية العادية كونها أكثر كثافة وأسرع، فضغطت المجال المغناطيسي للأرض بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى توسع الشفق إلى خطوط عرض منخفضة جدا، وصلت إلى شمال إفريقيا، بما في ذلك الجزائر.
وبينما أثارت الظاهرة حينها اهتماما غير مسبوق للاستمتاع بألوان الشفق القطبي، ذهبت بعد أيام سكرة هذا الاستمتاع لتحل الفكرة، وهي الانشغال بمتابعة ما تركته "أنفاس الشمس" القوية في طبقة الأيونوسفير بالدول الإفريقية التي شهدت الظاهرة، وفي مقدمتها الجزائر، وهو ما فعله فريق بحثي من قسم الفيزياء بكلية العلوم بجامعة بحر دار الإثيوبية، بالتعاون مع باحث من قسم علوم وهندسة المناخ والفضاء بجامعة ميشيغان الأمريكية.
وخلال دراسة نشرتها دورية "أدفانسز إن سبيس ريسيرتش"، استخدم هذا الفريق بيانات النظام العالمي لتحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية "جي إن إس إس" من 6 محطات في إفريقيا، وأقمار صناعية مثل "سوارم" و"غلوبال ألترافايلت إيميجر"، لدراسة ما فعلته "أنفاس الشمس" في طبقة الأيونوسفير.
وراقب الباحثون الأيونوسفير خلال 4 مراحل: "قبل وصول الانبعاث الكتلي (المرحلة الهادئة)، وأثناء وصوله (المرحلة الرئيسية)، وبعد انتهاء الظاهرة (مرحلة التعافي)، وأخيرا مرحلة التعافي المتأخرة".
ووجد الباحثون أنه خلال المرحلة الرئيسية وبداية التعافي، حدث انخفاض كبير في محتوى الإلكترونات بطبقة الأيونوسفير، مقارنة بالأيام الهادئة، وازدادت نسبة الانخفاض في بعض المحطات من 49% إلى 85%، وهذا يعني أن الأيونوسفير أصبح فقيرا بالإلكترونات بشكل حاد.
ويحدث هذا الانخفاض لأن الرياح الشمسية القوية والحقول الكهربائية المتغيرة، عندما وصلت إلى الأيونوسفير فجأة وبشكل قوي، أدت إلى نزوح الإلكترونات من مواقعها المعتادة.
في المرحلة اللاحقة، بدأت الإلكترونات بالعودة تدريجيا، بل تجاوزت أحيانا مستوياتها المعتادة قبل العاصفة، حيث تركت أنفاس الشمس بصمتها متمثلة في ارتفاع حرارة الغازات وازدياد معدل التأين في الطبقة العليا، وهو ما أدى لاحقا لزيادة في عدد الإلكترونات.
والتأين عملية تحويل ذرة محايدة إلى أيون عن طريق إزالة إلكترون، وعندما يزداد معدله بسبب طاقة الشمس، ينتج عن ذلك عدد أكبر من الإلكترونات الحرة في الطبقة العليا.
بينما يتسبب ارتفاع حرارة الغازات (مثل الأكسجين والنيتروجين)، في تحرك الذرات والجزيئات بسرعة أكبر، والحركة الأسرع تزيد احتمالية اصطدام الجزيئات مع بعضها البعض ومع الجسيمات الشمسية المشحونة، وهذه الاصطدامات تساعد على تحرير الإلكترونات من الذرات، أي فصل الإلكترونات وجعلها حرة في الأيونوسفير.
وفي الحالتين، سواء الانخفاض أو الارتفاع، تتأثر أنظمة الاتصالات، فمع عدد الإلكترونات الكبير تصبح إشارات الأقمار الصناعية مشوشة أو منحرفة وتظهر اضطرابات في أنظمة الملاحة والاتصالات الأرضية، ومع العدد القليل، تمر إشارات الأقمار الصناعية بشكل ضعيف.
ويقول الأستاذ في قسم علوم وهندسة المناخ والفضاء بجامعة ميشيغان والباحث المشارك بالدراسة مايكل ليمون، في تصريحات خاصة لـ"الجزيرة نت"، إن "التغيرات التي يحدثها الانبعاث الكتلي الإكليلي في طبقة الأيونوسفير تستغرق أياما عديدة، بل أسابيع، حتى يعود الوضع إلى حالته الطبيعية، لذا، قد تبقى طبقة الأيونوسفير -وهي الجزء المتأين من الغلاف الجوي العلوي- مختلفة لفترة طويلة بعد العاصفة، ويجب رصد هذه التغيرات لتأثيرها الكبير على أنظمة الاتصالات".
وأوضح أن نتائج دراستهم يمكن أن تُسهم في تحسين التنبؤات الجوية الفضائية في إفريقيا، وذلك من خلال فهم كيفية استجابة المناطق والعمليات المترابطة في الغلاف الجوي العلوي للعواصف المغناطيسية الأرضية.
وأضاف أنه "على وجه الخصوص، فإن رصد تجاوز محتوى الإلكترونات الكلي خلال مرحلة التعافي من العاصفة سمة لا تظهر إلا في العواصف الشديدة جدا، يساعد في تحديد أسباب حدوثها كميا، وينبغي تضمين هذه السمة في النماذج التنبؤية للغلاف الأيوني فوق إفريقيا".
وعن كيفية دمج بيانات الأقمار الصناعية والقياسات الأرضية في نظام إنذار مبكر شامل للعواصف المغناطيسية الأرضية في الجزائر والدول الإفريقية، أوضح أن نظام الإنذار المبكر يتطلب الوصول إلى البيانات الرصدية في الوقت الفعلي، وبناء على نتائج دراسات مثل التي قمنا بها وتناولت حدث 10 مايو/أيار 2024، يمكن إصدار تحذيرات استنادا إلى توقعاتنا لما سيحدث لاحقا خلال ظواهر الطقس الفضائي".
وأشار إلى وجود اختلافات في استجابة الغلاف الأيوني بين شمال إفريقيا وجنوبها خلال الانبعاثات الكتلية الشديدة، مضيفا أن "المجال المغناطيسي للأرض ليس منتظما ومتماثلا تماما، بل هو غير منتظم وملتو بعض الشيء، ولهذا السبب، لا يكون الغلاف الأيوني متماثلا عبر خط الاستواء المغناطيسي، وقد يختلف على جانبي هذا الحد".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة