تبدو صور الأقمار الصناعية مطمئنة، فمساحات الغابات ما زالت واسعة وحملات التشجير تتوسع عاما بعد عام. لكن خلف هذا الاخضرار تدور معركة صامتة داخل الغابات، أي الأشجار ستسيطر في المستقبل "البطيئة المتينة" أم "السريعة الهشة"؟
دراسة عالمية شملت أكثر من 31 ألف نوع من الأشجار، ونشرت في مجلة "نيتشر بلانتس" (Nature Plants)، تشير إلى أن الغابات تشهد تحولا عميقا في "طريقة عملها"، فتركيبها الداخلي وأدوارها في المناخ والتنوع البيولوجي لم يعد كما كان قبل عقود.
كانت الغابات أشبه بفسيفساء غنية تضم طيفا واسعا من أنواع الأشجار البطيئة والسريعة والعالية والمنخفضة وذات الأخشاب الكثيفة أو الخفيفة، ولكل منها دور في بناء عالم الغابة.
أما اليوم، تميل الغابات أكثر فأكثر إلى هيمنة الأشجار سريعة النمو، وهي أشجار أوراقها رقيقة وخفيفة وخشبها أقل كثافة وتحتاج لمزيد من الماء والعناصر الغذائية، ولديها قدرة على النمو السريع خصوصا في البيئات المضطربة مثل المناطق التي تعرضت لقطع الأشجار أو الحرائق أو الواقعة على أطراف المدن.
في المقابل، تتراجع الأشجار البطيئة وطويلة العمر ذات الخشب الكثيف والجذور العميقة. هذه الأشجار كانت تمثل "هيكل الغابة" إذ تشكل عظامها الصلبة وتخزن الكربون لفترات طويلة وتوفر موائل متخصصة لأنواع كثيرة من الطيور والحشرات والفطريات، خاصة في المناطق الاستوائية حيث يبلغ التنوع الحيوي أعلى مستوياته.
بحسب التقرير الذي نشره موقع "ساينس ديلي" (Science Daily)، فإن جزءا من هذا التحول مرتبط بانتشار الأنواع غير الأصلية، أي الأشجار التي لم تكن جزءا طبيعيا من هذه الغابات، بل نقلت إليها عبر التجارة العالمية والزراعة الحرجية ومشاريع التشجير والزينة، مثل الأكاسيا والأوكالبتوس والحور والصنوبر.
بعض هذه الأنواع يستقر مع الوقت في بيئته الجديدة فيتحول إلى نوع "متجنّس" ينتشر بسرعة وينافس الأنواع المحلية على الماء والضوء والغذاء لكنه لا يؤدي الدور البيئي الدقيق الذي تؤديه الأشجار الأصلية عبر فترات طويلة من التطور المشترك مع باقي الكائنات.
والنتيجة أن الغابات حول العالم أصبحت أكثر تشابها، مع فقدان البصمة الفريدة لكل منطقة في أنواع الأشجار والكائنات المرتبطة بها.
هذا التحول لا يحدث صدفة، بل هو نتيجة مباشرة للطريقة التي نغير بها المناخ ونستخدم بها الأرض ونتعامل بها مع الغابات:
الدراسة لا تقول إن الغابات ستختفي لكنها تشير بوضوح إلى أن نوعية الغابات ووظيفتها تتغير فتصبح:
باختصار، نحن لا نفقد الغابات باعتبارها مساحة خضراء، بل نفقد غابة قوية ومعقدة ونستبدلها بغابة أسرع نموا لكنها أكثر هشاشة وأقل قدرة على حمايتنا.
لا يعني هذا أن التشجير فكرة سيئة، بل إن طريقة التشجير هي التي تحتاج إلى مراجعة، وتقدم الدراسة مجموعة من المسارات العملية لإدارة أكثر ذكاء للغابات:
الغابات في النهاية ليست مجرد خلفية خضراء على الخرائط أو مقصدا للنزهة، بل هي بمثابة درع مناخي طبيعي وخزان للتنوع البيولوجي ومنظّم للماء والهواء. وحين تتغير "قواعد اللعبة" داخل الغابة لصالح الأنواع السريعة الهشة، يتغيّر معها استقرار المناخ وأنماط المياه وجودة الهواء ومستقبل الحياة البرية، وفي النهاية جودة الحياة البشرية نفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة