آخر الأخبار

كيف أعادت أداة “أنومالي ماتش” كنوزا مخفية في أرشيف هابل

شارك

في أعماق أرشيف تلسكوب هابل الفضائي، حيث تراكمت عشرات الملايين من الصور على مدى عقود، كانت تختبئ ظواهر كونية نادرة لم يلتفت إليها أحد، ليس لأنها غير مهمة، بل لأن حجم البيانات فاق قدرة البشر على المعالجة اليدوية.

ورقة بحثية حديثة تكشف كيف استطاعت أداة ذكية تُدعى "أنومالي ماتش" (AnomalyMatch) أن تمسح قرابة 100 مليون صورة فلكية في أيام قليلة فقط، وتستخرج منها مئات الأجسام والظواهر غير المعروفة سابقا، فاتحة بابا جديدا في علم الفلك الرصدي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 تشالنجر.. أربعون عاما على الكارثة التي غيّرت مسار رحلات الفضاء
* list 2 of 2 سماء مرصد جيميني في تشيلي.. حيث تتشابك النجوم وتتحدث end of list

تعمل أداة "أنومالي ماتش" تقنيا عبر دمج أكثر من فكرة ذكية في آن واحد، هدفها الأساسي تعليم الخوارزمية كيف تميز "الشيء غير المألوف" في صور الفضاء حتى لو لم يُخبرها أحد مسبقا بما يجب أن تبحث عنه.

تعتمد الأداة على ما يُعرف بالتعلم شبه الخاضع للإشراف، وهو أسلوب يسمح للذكاء الاصطناعي بالتعلم من بيانات غير مصنفة بالكامل، أي صور لم يحدد العلماء محتواها مسبقا.

مصدر الصورة بعض الظواهر الشاذة التي عُثر منها على أقل من خمسة أجرام من أصل مئات (جامعة كورنيل)

في هذه الحالة، تمنح الخوارزمية بعض الصور تسميات مؤقتة عندما تكون واثقة من استنتاجها، وهي عملية تُعرف باسم "التوسيم الزائف" (Pseudo-labelling).

كما تُجبر على إعطاء النتيجة نفسها للصورة ذاتها حتى بعد تعريضها لتغييرات شكلية طفيفة مثل التدوير أو تغيير الإضاءة، وهي تقنية تسمى "تنظيم الاتساق"، والهدف منها التأكد من أن النموذج يفهم بنية الجسم نفسه لا شكله الظاهري فقط.

عندما يتعلّم الذكاء الاصطناعي اكتشاف غير المتوقع

لم يولد مشروع "أنومالي ماتش" من فراغ، بل كان ثمرة تساؤل بسيط واجه عالمَي الفلك في وكالة الفضاء الأوروبية، ديفيد أورايان وبابلو غوميز: ماذا لو كانت أرشيفات هابل تخفي ظواهر لم يلاحظها أحد بعد؟

وأمام أكثر من ثلاثة عقود من الصور المتراكمة، أدرك الباحثان أن العين البشرية، مهما بلغت خبرتها، لم تعد كافية لملاحقة هذا الطوفان من البيانات. عندها بدأ العمل على تطوير أداة ذكية قادرة على تمشيط أرشيف هابل كله، لا بحثا عمّا نعرفه، بل عمّا يخرج عن المألوف.

إعلان

شهور من التدريب والاختبار والمراجعة البشرية قادت في النهاية إلى واحدة من أوسع عمليات التنقيب العلمي في تاريخ المرصد، أعادت فتح ملف "المجهول" في صور ظنّ العلماء أنهم استنفدوا أسرارها.

ولا تعمل "أنومالي ماتش" بمعزل عن الإنسان، بل تُشرك الفلكي مباشرة في عملية التعلم عبر ما يسمى التعلم النشط، أي أن الأداة تعرض على الخبير أكثر الصور غرابة من وجهة نظرها، فيقرر العالم إن كانت فعلا ظاهرة غير مألوفة أم لا، ثم تعود هذه القرارات لتغذية النموذج وتحسين أدائه تدريجيا، في حلقة تعلم مستمرة تجمع بين سرعة الآلة وحدس الإنسان.

مصدر الصورة إحدى مجرات "قنديل البحر" التي كشف التحليل مجرات أخرى شبيهة بها (ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية)

أما من الناحية التقنية البحتة، فقد صُممت الأداة لتكون عالية الكفاءة الحسابية، إذ تعتمد على بنية شبكات عصبية متقدمة تُعرف باسم الشبكة الفعالة" (EfficientNet)، وهي عائلة نماذج قادرة على استخراج تفاصيل دقيقة من الصور مع استهلاك أقل للموارد.

وبالاستفادة من قاعدة البيانات التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية والمزودة بـ"وحدات معالجة رسومية" (GPU)، تمكن الفريق من تدريب النموذج في ساعات قليلة فقط، ثم مسح ما يقارب مئة مليون صورة فلكية في يومين إلى ثلاثة أيام، وهو إنجاز يستحيل تحقيقه يدويا.

كنوز مخفية في أرشيف هابل

بعد تطبيق "أنومالي ماتش" على أرشيف تلسكوب هابل الكامل، كانت النتائج لافتة، إذ استخرج الباحثون أكثر من 1300 ظاهرة شاذة فريدة بعد حذف التكرارات، وتبيّن أن نحو ثلثي هذه الأجسام لم يسبق توثيقها أو دراستها في أي ورقة علمية سابقة.

شملت هذه الاكتشافات مئات حالات اندماج المجرات، وهي تصادمات كونية بين مجرتين أو أكثر تؤدي إلى أشكال مشوهة وذيول نجمية طويلة، إضافة إلى عشرات العدسات الجاذبية (Gravitational Lenses)، وهي ظواهر ينحني فيها الضوء بفعل جاذبية مجرة ضخمة تعمل بمثابة عدسة تكبّر الأجسام الواقعة خلفها.

كما رُصدت مجرات تُعرف باسم "قنديل البحر" (Jellyfish Galaxy)، وهي مجرات تمتد منها أذرع غازية طويلة بسبب فقدانها غازها أثناء حركتها داخل تجمعات مجرية كثيفة، إلى جانب مجرات حلقية نادرة نشأت غالبا عن تصادم مباشر، وأجسام أخرى استعصت على أي تصنيف معروف.

مصدر الصورة خمسون نموذجاً من المجموعة المستخدمة في تطبيق خوارزمية "أنومالي ماتش" على أرشيف هابل (جامعة كورنيل)

ومن بين أكثر النتائج إثارة اكتشاف عشرات المجرات ذات تشوهات غير مفهومة لا تشبه المجرات الحلزونية ولا الإهليلجية ولا حتى حالات الاندماج الواضحة.

هذه الأجسام وُضعت تحت تصنيف "غير معروفة"، وقد تمثل مراحل تطور قصيرة العمر لم تُرصد من قبل، أو ناتجة عن ظروف قاسية داخل العناقيد المجرية، أو ربما تشير إلى عمليات فيزيائية لم تُدرج بعد في نماذج تطور المجرات الحالية.

كما كشفت الأداة عن عدسات جاذبية جديدة كانت مختبئة في خلفية صور التُقطت لأغراض أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام استخدامها قياس توزيع المادة المظلمة، أي المادة غير المرئية التي تشكل معظم كتلة الكون، أو لدراسة مجرات بعيدة جدا عبر التكبير الطبيعي الذي توفره هذه العدسات.

إعلان

كذلك نجحت "أنومالي ماتش" في رصد نماذج خافتة من مجرات "قنديل البحر" يصعب على العين البشرية تمييزها بسبب ضعف سطوع الذيول الغازية، مما يساعد العلماء على فهم ظاهرة الضغط الكابح (Ram Pressure Stripping)، وهي عملية يتجرد فيها الغاز من المجرة أثناء اندفاعها عبر وسط مليء بالبلازما داخل العناقيد.

مصدر الصورة تلسكوب هابل الفضائي أطلق سنة 1990 إلى ارتفاع 600 كيلومتر من سطح الأرض (ناسا/شترستوك)

من هابل إلى مستقبل الاكتشاف العلمي

لا يقتصر مستقبل "أنومالي ماتش" على أرشيف هابل، إذ يمكن تطبيقها على بيانات تلسكوب جيمس ويب الفضائي متعددة الأطوال الموجية، وعلى مسوحات مرصد "فيرا روبن" الليلي، وبيانات مهمة إقليدس الأوروبية، بل وحتى خارج علم الفلك، في مجالات مثل صور الأقمار الصناعية أو التصوير الطبي، حيث تختبئ الحالات النادرة وسط كم هائل من البيانات.

في المحصلة، تكشف هذه الدراسة أن الاكتشافات الكبرى في علم الفلك لم تعد رهينة التلسكوبات العملاقة وحدها، بل باتت تعتمد أيضا على أدوات ذكية قادرة على التنقيب في البيانات بصبر ودقة غير مسبوقين.

"أنومالي ماتش" ليست مجرد خوارزمية، بل هي نموذج لتحول أعمق في البحث العلمي، حيث تتحول وفرة البيانات من عبء إلى منجم للاكتشاف، ويغدو الذكاء الاصطناعي شريكا حقيقيا في فهم الكون.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار