بفضل "العين" الأقوى التي أرسلتها البشرية إلى الفضاء، لم تعد الثقوب السوداء مجرد "أشباح" كونية غير مرئية. لقد نجح تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي (JWST) عام 2025 في اختراق غبار الزمن، مستخدما تقنيات الأشعة تحت الحمراء التي تسمح له برؤية ما وراء سحب الغبار الكثيف الحاجبة لمراكز المجرات.
تعتمد قوة "جيمس ويب" على مرآته الذهبية العملاقة وحساسيته الفائقة للحرارة المنبعثة من أبعد الأجسام، مما مكنه من رصد "وميض" المادة، وهي تلتهمها الثقوب السوداء في فجر الكون، وتتبع "هروب" العمالقة من مجراتها، بل وحتى قياس "تجشؤ" هذه الوحوش الكونية بدقة متناهية.
إليك أبرز قصص الثقوب السوداء التي كشفها لنا "جيمس ويب" وزملاؤه من التلسكوبات الأرضية والفضائية هذا العام:
كشف الفريق العلمي بقيادة روبرتا تريبودي من جامعة ليوبليانا، باستخدام تلسكوب جيمس ويب، عن ثقب أسود فائق الكتلة يقع في قلب المجرة "كانوكس أل أر دي" (CANUCS-LRD-z8.6).
هذا الثقب الذي يعود لزمن سحيق (بعد 570 مليون سنة من الانفجار العظيم) ينمو بسرعة مذهلة تتحدى النظريات الحالية، وينتمي لفئة الأجسام المكتشفة حديثا،و التي أطلق عليها العلماء اسم "النقاط الحمراء الصغيرة" نظرا لصغر حجمها وسطوعها الشديد في فجر الكون.
قاد الباحث أنطوني تايلور من جامعة تكساس اكتشافا تاريخيا لأبعد ثقب أسود فائق الكتلة تم رصده حتى الآن في المجرة "كابرس أل أر دي" (CAPERS-LRD-z9)، بكتلة تعادل 300 مليون شمس.
ويظهر هذا الوحش الكوني كما كان بعد 500 مليون سنة فقط من بداية الزمان، ويمثل هذا الاكتشاف أقصى ما يمكن للتكنولوجيا الحالية (تلسكوب جيمس ويب) الوصول إليه، مما يفتح تساؤلات حول كيفية نمو هذه الثقوب بهذه السرعة في وقت مبكر جدا.
بعيدا عن "العنف" المعتاد في الفضاء، اكتشف فريق من مرصد شنغهاي الفلكي بقيادة شينغ لو، باستخدام مصفوفة ALMA، "أعاصير فضائية" غازية تدور حول الثقب الأسود الموجود في مركز مجرتنا درب التبانة والمعروف باسم "ساجيتاريوس إيه ستار" ( Sagittarius A* ).
ورغم أن هذا الثقب الأسود يوصف بـ"الهادئ" لقلة استهلاكه للمادة، إلا أن هذه الأعاصير كشفت عن وجود "تداول عنيف" للمواد وتوزيع فعال للغازات في بيئة مركز المجرة لم نكن ندركه من قبل.
نجح فريق بقيادة سيباستيانو فون فيلنبرغ من معهد ماكس بلانك في رصد ومضات طاقة عالية من الثقب الأسود "ساجيتاريوس إيه ستار" (Sagittarius A*) في مركز درب التبانة، وذلك باستخدام كاميرا الأشعة تحت الحمراء المتوسطة في تلسكوب جيمس ويب.
هذا الاكتشاف سد فجوة معرفية كبيرة دامت سنوات، إذ مكنت بيانات "جيمس ويب" العلماء من رؤية التغيرات المفاجئة في طيف الثقب الأسود، والتي كانت التلسكوبات السابقة تعجز عن رصدها في هذا النطاق الترددي.
رصدت الباحثة كاميل ديز وفريقها من وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) حالة "عسر هضم" كونية للثقب الأسود القابع في المجرة الحلزونية "أن جي سي 3783" (NGC 3783).
وتمثلت هذه الظاهرة في قذف نفاث ضخم من البلازما بسرعة تصل إلى 20% من سرعة الضوء (216 مليون كلم/ساعة)، ورصد العلماء هذه العاصفة الكونية بفضل التعاون بين تلسكوب "إكس ريسم" (XRISM) الياباني-الأوروبي ومرصد "إكس أم أم نيوتن" (XMM-Newton) التابع لناسا، مما ساعد في فهم كيفية تأثير هذه النفثات على تشكل النجوم في مجراتها.
أعلن ماثيو غراهام من جامعة كالتيك عن رصد أقوى وميض لثقب أسود على الإطلاق، يسمى (J2245+3743)، وهو ناتج عن نجم ضخم مزقه ثقب أسود.
هذا الحدث -الذي يقع في مجرة تبعد 10 مليارات سنة ضوئية- أطلق طاقة تعادل 10 تريليونات شمس، وهو ما يزيد بـ30 مرة عن أقوى وميض مسجل سابقا، مما يجعله أكثر الثقوب السوداء نشاطا وبعدا يتم رصده في حالة "إطعام" مستمرة.
في واحدة من أكثر القصص إثارة، أكد فريق بقيادة بيتر فان دوكوم من جامعة ييل الأميركية رصد أول ثقب أسود "هارب" في التاريخ.
هذا العملاق الذي يزن 10 ملايين ضعف كتلة الشمس، انطلق من مجرته الأم في نظام مجرة البومة (Cosmic Owl) بسرعة خيالية تصل إلى 3.5 ملايين كيلومتر في الساعة. واللافت أنه يجر خلفه ذيلاً من النجوم بطول 200 ألف سنة ضوئية، وكأنه يترك أثرا مضيئا في الفراغ الكوني نتيجة قوى الجاذبية الهائلة التي يحدثها أثناء هروبه.
أعلن البروفيسور توماس كوليت من جامعة بورتسموث عن اكتشاف مرشح للقب "أضخم ثقب أسود في الكون"، بكتلة تقدر بـ 36 مليار شمس.
ويقع هذا العملاق في نظام "حدوة الحصان الكونية" (Cosmic Horseshoe) على بعد 5 مليارات سنة ضوئية، وتمكن العلماء من قياس كتلته بفضل ظاهرة "عدسة الجاذبية" التي تسببت بها مجرة ضخمة أمامية كبرت وشوهت ضوء المجرة الخلفية، مما كشف عن الجاذبية المرعبة لهذا الثقب الأسود.
وأخيرا تؤكد اكتشافات عام 2025 أن الثقوب السوداء لم تعد نهايات غامضة للكون، بل محركات نشطة تصنع تاريخه وتعيد تشكيل مجراته، ومع استمرار تلسكوب جيمس ويب في سبر أعماق الماضي السحيق، يبدو أننا نقف فقط عند بداية حكاية كونية أعنف وأكثر إدهاشا مما تخيلناه يوما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة