استنجاد الرياض بالجولاني.. اللعب بورقة الطائفية وإعادة توطين التطرف في اليمن
وتشير هذه الخطوة إلى أن لجوء الرياض للبحث عن قوى خارجية جديدة- يراعى فيها البعد الطائفي والفكر المتطرف- لملء الفراغ البري، وحماية عمقها المترهل من الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة القادمة من صنعاء، يُعد ذروة الانكشاف الميداني والسياسي.. لكن الثمن هذه المرة يتجاوز حدود الإنفاق المالي وتجميع الفصائل، حيث يذهب مباشرة نحو خيار استيراد عناصر عسكرية ذات حمولة عقائدية حادة من أجنحة أحمد الشرع (الجولاني)، مما يهدد بإعادة توطين الفكر التكفيري في المنطقة ونقل الصراع من مربعات السياسة والنفوذ والتنافس الإقليمي إلى أتون صراع طائفي ينسف الخصوصية التاريخية والتعايشية الممتدة لليمن.
وتتراءى خلف هذه الخطوة السعودية حالة التعثر البنيوي التي تُعاني منها الاستراتيجية العسكرية في اليمن منذ سنوات؛ فبالرغم من الإنفاق المالي الهائل، والغطاء الجوي الشامل، والتفوق التسليحي، عجزت الرياض عن تقديم نموذج سياسي ناجح أو بناء تشكيلات عسكرية موحدة قادرة على حسم المعركة ميدانياً أمام القوات التابعة لحكومة صنعاء.
ويرى محللون أن تشظي الجبهات الموالية للرياض، وتوزيع الولاءات بين أطراف وتشكيلات منافسة تحركها أجندات متضاربة، أطاح بأوهام السيطرة البرية، وجعل صنعاء تفرض معادلة ردع استراتيجي تثبت حضورها وفاعليتها بمرور الوقت.
ويشير المحللون إلى أن هذا الانكشاف الميداني والسياسي الذي وجدت السعودية نفسها أمامه هو ما دفعها للبحث عن بدائل عسكرية من الخارج لترميم جبهاتها وتأمين حدودها. غير أن الاستعانة بالقوات التابعة للنظام السوري الجديد بقيادة الجولاني، لتصدير مقاتليه إلى التضاريس اليمنية المعقدة، يُعد اعترافاً صريحاً بإنهاك القوات المحلية الموالية للتحالف، وعجزها الشامل عن حماية العمق السعودي أو أحداث أي تغيير ملموس في خطوط التماس.
الاعتماد على العنصر الخارجي المتربص مجدداً يُبرهن أن الاستراتيجية السعودية لا تزال قاصرة عن إدراك طبيعة البيئة الميدانية اليمنية، التي طالما استنزفت القوى الوافدة وجعلتها عرضة للكمائن والإنهاك المستمر.
وتكمن الخطورة الكبرى لهذا التطور في محاولة إعادة توطين الفكر التكفيري واستيراده إلى بلاد التعايش التاريخي، حيث تتشكل النواة الصلبة للقوات التابعة لنظام الشرع والجولاني من عناصر خاضت سنوات الحرب السورية تحت مظلات تكفيرية وإرهابية وراديكالية متطرفة (كهيئة تحرير الشام وسائر الفصائل المقربة منها). إن استجلاب هذه العناصر بتعبئتها الفكرية المتطرفة وأدبياتها التكفيرية يعني تصدير صراعات الطائفية وزرع هذا الفكر الاستئصالي في أرض غريبة عنه كلياً.
وانفرد اليمن تاريخيا بخلوه من الحروب الطائفية المباشرة؛ إذ تشكل التعايش الفريد والتداخل بين المذهبين الزيدي والشافعي قاعدة حصرية ومستقرة للمجتمع طوال قرون، إذ يصلى اليمنيون في مسجد واحد دون حسابات مذهبية أو فئوية ضيقة، ولذلك فإن إقحام عناصر تحمل إرثاً عقائدياً تكفيرياً حاداً- والتي تجلت انتهاكاتها الميدانية بحق المخالفين مذهبياً في مناطق الساحل السوري ومحافظة السويداء وغيرها من مناطق سوريا- يمثل زلزالاً يهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية اليمنية المتماسكة، وهو ما يُقرأ في الداخل اليمني باعتباره محاولة خبيثة لزرع التكفير الوافد لضرب اللحمة الوطنية.
ومن منظور السلطات في صنعاء، تُعد هذه الخطوة دليلاً قاطعاً على استعانة التحالف بقوى عقائدية وافدة ذات خلفيات متطرفة، وهو ما يُشكل مادة تجنيد وتحشيد صلبة تُوحد القبائل والمكونات الوطنية حول خيار المواجهة والردع، حيث يُقرأ هذا التطور في الشارع اليمني باعتباره دفاعاً عن الهوية والوجود الاجتماعي والنسيج الوطني ضد مشروعات التطييف والتكفير الوافدة، مما يُكسب صنعاء زخماً شعبياً وسياسياً يتجاوز الانقسامات التقليدية.
ويؤكد المحللون أن استبدال العجز العسكري بالرهان على القوى العقائدية المتطرفة لن يقود الرياض إلا إلى مزيد من الغرق في المستنقع اليمني؛ إذ إن تحويل النزاع إلى "مواجهة وجودية مذهبية" ينزع كل فرص الحلول السياسية، ويُلغي المساحات المشتركة للتفاوض التي طالما سعت أطراف عدة لإرسائها، مشيرين إلى أنه عندما يُلبس الصراع رداء الهويات العقائدية المغلقة، تضيق فرص التسوية وتصبح كلفة التراجع سياسياً وميدانياً باهظة للغاية على كافة الأطراف.
ويضف المحللون أن هذه الخطوة واتجاه السعودية إلى استجداء دعم عسكري من الجولاني لا يعكسان قوة الرياض أو قدرتها على المناورة الاستراتيجية، بقدر ما يُظهران تخبطاً يسعى للهروب من استحقاقات السلام في ظل الواقع الميداني الجديد الذي فرضته صنعاء.. وفي المحصلة، فإن استيراد الفكر التكفيري ومقاتليه من الشام إلى اليمن لن يحقق للمملكة أمنها المفقود أو يضمن سلامة حدودها، بل سيجعل من حدودها الجنوبية ساحة مفتوحة لتداعيات صراع طائفي عابر للحدود، يمتد شرره ليلغم أمن واستقرار الجزيرة العربية برمتها لعقود قادمة.