ويظهر هذا التحول في طبيعة الأسئلة التي تطرحها المنابر الإسرائيلية حول اليمن، وفي مقدمتها سؤال يتكرر بصيغ مختلفة حول أسباب صعوبة إخضاع أنصار الله عسكرياً، بعد سنوات من المواجهة التي شاركت فيها قوى إقليمية ودولية تمتلك تفوقاً كبيراً في الطيران والاستطلاع والتسليح والموارد.

هذا السؤال يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن صنعاء راكمت خلال سنوات الحرب خبرة قتالية واسعة، وطورت أدواتها العسكرية وأساليب إدارتها للصراع، وأصبحت تمتلك قدرة متنامية على فرض كلفة سياسية وأمنية تتجاوز الجغرافيا اليمنية.

وتتحرك القراءة الإسرائيلية لقدرات صنعاء عبر عدة مسارات في وقت واحد. بعض المواد تركز على صلاتها بإيران، وأخرى تتحدث عن دور استخباراتي روسي، بينما تذهب تحليلات أخرى إلى دراسة البنية المحلية لأنصار الله وقدرتهم على اتخاذ قرارات مرتبطة بحساباتهم اليمنية، إلى جانب متابعة التحركات السعودية ومساعي بناء شبكة إقليمية أوسع لمواجهة القوة الصاعدة من صنعاء.

وفي هذا السياق، قدّم موقع "إسرائيل ديفنس" رواية تربط تطورات عسكرية في الساحل الغربي اليمني بمنظومة استخبارات وقيادة وسيطرة تستفيد من قدرات استطلاع روسية ومن تكامل عملياتي إيراني ومصادر ميدانية داخل اليمن. وتحدث التقرير عن استخدام الاستخبارات الجغرافية واستخبارات الإشارات في متابعة انتشار القوات وتحركاتها ومراكز القيادة، وربط هذه البيانات بالصورة الميدانية على الأرض.

وتكشف هذه المقاربة جانباً مهماً من التفكير الأمني الإسرائيلي تجاه اليمن؛ إذ يجري البحث عن تفسير تقني واستخباراتي للقدرة التي أظهرتها صنعاء على إدارة مواجهة طويلة ومعقدة، فيما تشير الوقائع الميدانية إلى تراكم خبرة محلية نشأت عبر سنوات من الحرب المباشرة، وبيئة عملياتية فرضت على القوات اليمنية تطوير أنماط انتشار وتمويه واستطلاع وقدرات صاروخية وجوية وبحرية تتلاءم مع طبيعة الصراع غير المتكافئ.

وفي اتجاه آخر، تبرز في الإعلام الصهيوني قراءة أكثر اهتماماً بهامش القرار اليمني داخل العلاقة مع إيران. المادة التي تناولت الشأن اليمني في "هآرتس" قدمت أنصار الله كفاعل يوازن بين ارتباطاته الإقليمية ومتطلبات تثبيت موقعه داخل اليمن، ويحدد مستويات التصعيد وفق حسابات سياسية واقتصادية وعسكرية خاصة به. وتكتسب هذه القراءة أهمية لأنها تعيد تعريف موقع صنعاء داخل "محور المقاومة" بوصفها طرفاً يمتلك مصالحه وأولوياته، ويستخدم علاقاته الإقليمية لتعزيز موقعه وقدرته على الحركة.

ويمنح البحر الأحمر هذا التحول بعده الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل. فالموقع الجغرافي لليمن عند باب المندب وضع صنعاء في تماس مباشر مع أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وحوّل القدرات البحرية والصاروخية إلى أدوات تأثير تتجاوز القيمة العسكرية للضربة الواحدة. حركة السفن، وكلفة التأمين، ومسارات الشحن، وانتشار القطع البحرية الأجنبية، كلها أصبحت عناصر تتأثر بحسابات المواجهة التي تنطلق من اليمن.

ومن هنا يمكن فهم القلق الإسرائيلي من توسع مساحة التأثير اليمني. فإسرائيل تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً استراتيجياً مرتبطاً بأمنها الاقتصادي وحركة موانئها واتصالها بالمحيط الهندي والأسواق الآسيوية، ولهذا تحولت عمليات صنعاء إلى ملف ثابت في التقديرات الأمنية والإعلامية الإسرائيلية. وتتعاظم أهمية هذا الملف كلما اتسعت قدرة اليمن على ربط الجغرافيا المحلية بقضايا ذات طابع دولي، وفي مقدمتها الحرب في غزة وحركة التجارة وأمن الطاقة.

الاهتمام الإسرائيلي يتجاوز القدرات العسكرية اليمنية إلى التحالفات التي يجري تشكيلها لمواجهتها. قناة 14 الإسرائيلية تناولت ما وصفته بـ"حلف مكة"، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، وركزت على دلالات نشر قوات تركية وباكستانية في المملكة في سياق المواجهة مع أنصار الله. وقرأت القناة هذه الخطوة من زاوية أمنية إسرائيلية أوسع، مرتبطة بإمكان تشكل محور عسكري جديد يجمع الرياض وأنقرة وإسلام آباد ويمنح باكستان، القوة النووية الإسلامية، موطئ قدم أكثر حضوراً في ترتيبات أمن المنطقة.

وتكشف هذه القراءة عن نتيجة سياسية مهمة للصعود اليمني. فالمواجهة مع صنعاء أصبحت عاملاً يدفع إلى إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات العسكرية في الإقليم، وهذه التحالفات نفسها تولد مخاوف جديدة لدى تل أبيب.

وعندما تتحول الحرب ضد اليمن إلى سبب لتقارب عسكري سعودي ـ تركي ـ باكستاني، تصبح صنعاء عنصراً مؤثراً بصورة غير مباشرة في هندسة التوازنات الإقليمية التي تراقبها إسرائيل بحساسية كبيرة.

وتزداد دلالة هذا المشهد مع إشارة قناة 14 إلى تعاون إسرائيلي مع السعودية في المواجهة مع أنصار الله، وذكرها تقديم مساعدة استخباراتية للرياض. مثل هذا الطرح يضع اليمن بصورة مباشرة داخل الحسابات الأمنية الإسرائيلية، ويكشف درجة التقاطع بين مصالح تل أبيب والقوى المناوئة لصنعاء في ملف البحر الأحمر.

وفي السياق ذاته، تابع الإعلام الإسرائيلي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض وربطها بمعلومات سابقة تحدثت عن نقل مقاتلين سوريين إلى جبهات يمنية عبر السعودية. صحيفة "مكور ريشون" عرضت هذه المعلومات ضمن متابعة التحركات السعودية ـ السورية، وأشارت إلى تداول روايات عن الاستعانة بمقاتلين وتشكيلات إضافية في إطار الاستعداد لمواجهة أنصار الله.

القيمة الأبرز في هذه التغطية تكمن في اهتمام الإعلام الإسرائيلي بأي مؤشر على توسيع القوى البشرية والعسكرية المشاركة في الصراع اليمني. فاستدعاء أطراف جديدة، سواء عبر التدريب أو الدعم أو الانتشار العسكري، يعكس اتساع نطاق المتطلبات اللازمة لموازنة القوة التي بنتها صنعاء خلال السنوات الماضية.

ويظهر من مجمل التغطيات أن "إسرائيل" تتابع اليمن عبر ثلاث دوائر مترابطة: القدرة الصاروخية والمسيّرة التي تصل آثارها إلى العمق الإسرائيلي، والقدرة البحرية المرتبطة بباب المندب والبحر الأحمر، والتحولات الإقليمية التي تنتجها المواجهة مع صنعاء. اجتماع هذه الدوائر منح اليمن موقعاً متقدماً في أجندة المؤسسات الإعلامية والأمنية الإسرائيلية.

كما تكشف طبيعة التغطية عن انتقال تدريجي في توصيف أنصار الله. الصورة القديمة التي تعاملت معهم كجماعة محلية محدودة الحركة تتراجع لصالح صورة فاعل عسكري وسياسي يمتلك قدرة على الاستمرار، ويستثمر الجغرافيا والخبرة القتالية والتكنولوجيا والعلاقات الإقليمية في إنتاج نفوذ يتجاوز حدود اليمن.

وتستند هذه القدرة إلى نمط مواجهة يقوم على اقتصاد مختلف للقوة. صاروخ أو طائرة مسيّرة منخفضة الكلفة نسبياً قد يستدعي تشغيل منظومات اعتراض باهظة الثمن، وتهديد سفينة واحدة قد يدفع شركات شحن إلى تعديل مسارات كاملة، وانتشار قوة محدودة قرب ممر بحري حيوي قد يستدعي حضوراً عسكرياً دولياً واسعاً. هذه المعادلة تمنح صنعاء مساحة تأثير أكبر من حجم مواردها الاقتصادية، وتحول الاستنزاف إلى أداة استراتيجية.

لهذا يبدو سؤال "لماذا يصعب هزيمة الحوثيين؟" تعبيراً مباشراً عن المأزق الذي تحاول التغطية الإسرائيلية تفسيره. الإجابة التي توحي بها المواد المرصودة ترتبط بتداخل مجموعة عوامل: خبرة ميدانية تراكمت خلال أكثر من عقد، بنية عسكرية تكيفت مع الاستهداف الجوي، قدرة متنامية في الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل البحرية، موقع جغرافي بالغ الحساسية، وشبكة علاقات إقليمية ترفع قدرة صنعاء على الاستمرار والمناورة.

ومن منظور أوسع، تعكس كثافة الاهتمام الإسرائيلي باليمن تغيراً في ميزان الإدراك قبل ميزان القوة. فصنعاء أصبحت حاضرة في نقاشات تتناول أمن الممرات البحرية، والتحالفات السعودية، والدور التركي، والقوة الباكستانية، والعلاقة مع إيران وروسيا، وانتشار القوات الأجنبية في الجزيرة العربية. هذا الاتساع في دوائر المتابعة يمنح اليمن ثقلاً سياسياً يتجاوز حدود المعركة المباشرة.

المشهد الذي ترسمه الصحافة الإسرائيلية يشير في النهاية إلى أن صنعاء فرضت نفسها كفاعل يصعب تجاوزه في أي مقاربة جديدة لأمن البحر الأحمر. حجم الانشغال الإسرائيلي بقدراتها وتحالفاتها وتحركات خصومها يعكس إدراكاً بأن اليمن أصبح طرفاً مؤثراً في تشكيل قواعد الردع الإقليمي، وأن أي ترتيبات مستقبلية للبحر الأحمر وأمن الجزيرة العربية ستأخذ موقع صنعاء وقدرتها العسكرية والسياسية في صلب الحسابات.

بهذا المعنى، يكشف الإعلام الإسرائيلي من خلال اهتمامه المكثف بالشأن اليمني أكثر مما تقوله عناوينه المباشرة. فهو يرصد انتقال اليمن من هامش الصراع الإقليمي إلى قلبه، ويتابع كيف تحولت صنعاء إلى مصدر ضغط عسكري وبحري وسياسي يدفع خصومها إلى توسيع تحالفاتهم وإعادة توزيع قواتهم وتطوير منظوماتهم الاستخباراتية. وهذه التحولات تمنح اليمن موقعاً متقدماً في معادلة إقليمية تتشكل حول البحر الأحمر، وتجعل صنعاء رقماً أساسياً في الحسابات التي ترسمها "تل أبيب" لمستقبل المنطقة.


* عرب جورنال
*