قال المستشار الإعلامي عوض بن سعد القحطاني إن المعارك السياسية لا تُخاض دائمًا بالصواريخ والطائرات والدبابات، مشيرًا إلى أن الكلمة ومقالات الرأي والمساحات الإعلامية أصبحت أدوات للتأثير في الرأي العام وتقديم روايات سياسية حول الأزمات والصراعات.
وأوضح القحطاني، في مقال بعنوان «ما وراء التغريدة.. عندما تفشل أدوات الميدان تبدأ معركة المقالات»، أن مقالات الكاتب مايكل روبن الأخيرة جعلت من العلاقة السعودية–الإماراتية واليمن وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان محاور متكررة، لكنه شدد على ضرورة التفريق بين رصد خطاب إعلامي يخدم رواية سياسية معينة وبين الجزم بأن كاتبًا أو وسيلة إعلامية تعمل بتمويل أو توجيه من طرف محدد.
وأكد أن المقالات وحدها لا تكفي لإثبات وجود تمويل أو تعليمات، معتبرًا أن ما يمكن قراءته بوضوح هو دخول الإمارات واليمن في مساحة أوسع من معركة السرديات الدولية، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم تفسيره للأحداث وتحديد المسؤوليات والشرعية السياسية والأمنية للمرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن هذا السجال يأتي في ظل تطورات حساسة في اليمن والبحر الأحمر، لافتًا إلى ما وصفه بالتقدم الحوثي الأخير على الساحل الغربي والسيطرة على مناطق وموانئ وجزر استراتيجية، بالتزامن مع تقارير تتحدث عن انقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين وتأثير التنافس بين القوى المحلية والإقليمية في مسار الحرب. وتناولت تقارير حديثة بالفعل سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية في الساحل الغربي واقترابهم من باب المندب.
وأضاف القحطاني أن العودة إلى أي تحالف أو ترتيبات سياسية لا تُحسم عبر صفحات الرأي، وإنما من خلال الثقة والمصالح والضمانات وتوافق الرؤى حول أمن المنطقة، معتبرًا أن السعودية اليوم تتحرك وفق تصور أوسع لأمنها القومي، يشمل حماية حدودها وممراتها الاستراتيجية ومصالحها الاقتصادية، إلى جانب منع تحول الساحة اليمنية إلى منصة نفوذ لأي طرف إقليمي.
ولفت إلى أن أمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد، بحسب رؤيته، قضية يمنية داخلية، بل أصبح ملفًا سعوديًا وخليجيًا وعربيًا ودوليًا، لما يرتبط به من حركة التجارة والطاقة والممرات البحرية العالمية. كما تناولت تقارير دولية حديثة المخاطر التي فرضتها التطورات في الساحل الغربي اليمني على الملاحة والطاقة.
وتطرق القحطاني إلى خطاب مايكل روبن، معتبرًا أن الأهم ليس شخص الكاتب بقدر ما يكشفه خطابه من زاوية سردية، مشيرًا إلى محاولة تصوير الخلاف السعودي–الإماراتي باعتباره خلافًا شخصيًا بين القيادات، بدل قراءته باعتباره اختلافًا محتملًا في الحسابات والمصالح والرؤى تجاه ملفات إقليمية معقدة.
وقال إن الدول لا تدير أمنها القومي بمنطق العلاقات الشخصية، وإن القرارات المتعلقة باليمن أو أمن الحدود والممرات البحرية تُبنى، بحسب طرحه، على المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية. وأضاف أن اختزال التطورات في وجود «عداء شخصي» بين الأمير محمد بن سلمان وأبوظبي لا يقدم تفسيرًا كافيًا، واصفًا ذلك بأنه تفسير سياسي قابل للنقاش وليس حقيقة مثبتة.
واستشهد القحطاني بالموقف الإماراتي الرسمي من الهجمات الحوثية على السعودية في 8 سبتمبر 2026، مشيرًا إلى أن وزارة الخارجية الإماراتية أدانت الهجمات على منشآت مدنية واقتصادية في السعودية، كما أدانت استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، وأكدت تضامن الإمارات مع المملكة ودعمها للإجراءات الرامية إلى حماية أمنها واستقرارها.
واعتبر أن هذا يعكس وجود فارق بين الخطاب الرسمي والخلافات الاستراتيجية التي قد تدور في الكواليس، مؤكدًا أن الميدان الحقيقي، من وجهة نظره، يتمثل في السياسة والمصالح والنتائج.
وأضاف أن الاعتقاد بإمكانية أن يؤدي الضغط الإعلامي الغربي إلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة يحتاج إلى مراجعة، مشيرًا إلى أن السعودية تمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية وإقليمية، وأن رؤيتها لأمنها القومي أصبحت أكثر وضوحًا، وفق تعبيره، من خلال التأكيد على أهمية الثقة وتوافق الأهداف في الملفات المصيرية.
وفي ما يتعلق باليمن، قال القحطاني إن تعدد مراكز القوة لا يصنع الاستقرار، وإن تفكك المعسكر المناهض للحوثيين يمكن أن يفتح المجال أمام الحوثيين للتقدم، في إشارة إلى التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي.
وأكد أن السعودية، وفق رؤيته، لا تبحث عن خصومة مع أحد، لكنها لا تقبل أن يكون أمنها القومي ورقة تفاوض أو مجالًا للمساومة، مضيفًا أن المشاركة في منظومة الأمن الإقليمي تتطلب مواقف وسياسات والتزامات واضحة، وليس الاعتماد على المقالات المنشورة من واشنطن أو لندن.
وختم القحطاني بالقول إن تحويل الخلافات السياسية إلى حملة تستهدف القيادة السعودية لن يغير، بحسب تعبيره، من حقيقة أن القرار في الرياض يُبنى على حسابات الدولة وليس على ما يُكتب في صفحات الرأي، مضيفًا أن ارتفاع صوت المقالات لا يعني بالضرورة قوة أصحابها، وإنما قد يعكس وجود معركة سردية تدور خلفها.
واختتم مقاله بالعبارة: «الصراخ على قدر الألم… لكن القرار على قدر الدولة».
غرفة الأخبار/عدن الغد
المصدر:
عدن الغد