آخر الأخبار

لماذا قد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى التفاوض وفق شروط صنعاء؟

شارك

غير انها وبعد أحد عشر عاماً، تصطدم بالنتيجة التي حاولت منعها منذ البداية: قوات أكثر تسليحاً وخبرة، وجيش يملك اليوم من أدوات الضغط ما ينقل المواجهة من الجبهات الداخلية إلى العمق السعودي ومنشآت الطاقة والممرات البحرية.

المعادلة في 2026 لم تعد امتداداً لما كانت عليه في 2015. الجيش اليمني الذي واجه في بداية الحرب مئات الغارات يومياً بإمكانات محدودة بات يمتلك اليوم منظومة واسعة من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، وراكم خبرة عسكرية امتدت لأكثر من عقد.

رويترز نفسها تحدثت عن تطور قوات صنعاء إلى قوة إقليمية قادرة على الجمع بين الهجوم البري والضغط الصاروخي والبحري، فيما أظهر التقدم الأخير على الساحل الغربي قدرة على حشد عشرات الآلاف من المقاتلين وتنفيذ عملية واسعة أربكت القوات المدعومة سعودياً وكشفت ثغرات كبيرة في منظومتها الاستخباراتية والقيادية.

هذا التحول ظهر بوضوح عند باب المندب. فقد تقدمت قوات صنعاء على الساحل الغربي وسيطرت على مواقع استراتيجية اضافة الى مضيق باب المندب بينما تراجعت تشكيلات مدعومة من الرياض وتركت خلفها أسلحة ومعدات.

رويترز وصفت ما حدث بأنه ضربة كبيرة للسعودية وكشفت عن سوء تقدير سعودي لحجم الحشد العسكري، في وقت باتت فيه الجغرافيا المطلة على أحد أهم طرق التجارة والطاقة العالمية جزءاً مباشراً من ميزان القوة الجديد.

السعودية تجد نفسها اليوم أمام خصم مختلف تماماً عن ذلك الذي دخلت الحرب لإخراجه من صنعاء. هذا الخصم لم يعد ينتظر الحرب داخل حدوده، بل أصبح قادراً على نقل كلفتها إلى الطرف الآخر. الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدن والمنشآت السعودية، واستهداف مرافق الطاقة، والضغط على البحر الأحمر، جعلت حماية الداخل السعودي نفسها جزءاً من المعركة.

ويأتي ذلك في لحظة تعاني فيها منظومة الطاقة السعودية من ضغط غير مسبوق. فقد كشفت رويترز أن ثلاث محطات ضخ على خط أنابيب شرق-غرب تعرضت لأضرار بعدما كانت التقديرات الأولية تتحدث عن محطتين. الخط الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر كان ينقل ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً، ويشكل المسار الرئيسي الذي تعتمد عليه المملكة لنقل النفط إلى البحر الأحمر بعيداً عن اضطرابات مضيق هرمز.

أهمية هذه الضربة تتضاعف لأنها جاءت بينما كانت قوات صنعاء ترفع الضغط العسكري على السعودية من الجنوب والغرب. ومع تضرر ثلاث محطات ضخ وتعطل جزء من حركة الخام نحو ينبع، اضطرت أرامكو إلى إعادة توجيه مزيد من صادراتها عبر الخليج واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب ميناء صحار العماني، فيما أوقفت شحنات مقررة لبعض المصافي الأوروبية.

المملكة التي بنت خط شرق-غرب لكي تهرب من خطر هرمز تجد نفسها اليوم أمام ضغط في هرمز شرقا، وباب المندب غرباً، وعلى خط الأنابيب بينهما. مجلة New Lines وصفت هذا الوضع بأنه اختبار مباشر للردع السعودي، وقالت إن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بحماية الحدود، بل بحماية البنية النفطية وطرق التجارة ومكانة المملكة نفسها كقوة أمنية إقليمية.

والضغط البحري يضيف بعداً آخر إلى المأزق. تقدم قوات صنعاء على ساحل البحر الأحمر يرفع قدرتها على التأثير في حركة الملاحة المرتبطة بالسعودية، في وقت وصفت فيه South China Morning Post الموقف السعودي بـ«المعضلة المهينة» بعد رفض الولايات المتحدة التدخل العسكري المباشر لحماية الطريق البحري السعودي.

الصحيفة أشارت إلى أن الرياض تحركت بصورة عاجلة لبناء تحالف يحمي السفن ويدافع عن المملكة، بعدما تبين لها أن واشنطن لا تنظر إلى الأزمة اليمنية باعتبارها حرباً مستعدة لخوضها نيابة عنها.

وهذا التحول في الموقف الأمريكي يحمل دلالة تتجاوز الجانب العسكري. السعودية دخلت حرب 2015 وهي تقود تحالفاً واسعاً وتستند إلى دعم أمريكي وغربي سياسي واستخباراتي ولوجستي كبير. أما اليوم، فواشنطن تقدم المعلومات والمساعدة في الاستهداف، بينما تتحاشى الانخراط المباشر في حرب جديدة. وهذا يترك الرياض أمام العبء الذي حاولت طوال السنوات الماضية توزيعه على الحلفاء.

وفي الداخل، تصبح المعادلة أكثر حساسية لأن السعودية لم تعد تعيش اقتصاد 2015. المملكة تريد اليوم جذب عشرات المليارات من الاستثمارات والسياحة والشركات العالمية، وتقدم «رؤية 2030» باعتبارها مشروعاً لنقل البلاد إلى اقتصاد يقوم على السياحة والطيران والترفيه والخدمات والمشاريع العملاقة. لكن هذا النموذج يعتمد قبل كل شيء على الاستقرار.

وحين تصبح منشآت النفط والموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية عرضة للتهديد، يتحول الأمن من ملف عسكري إلى متغير اقتصادي مباشر. شركات التأمين تحسب المخاطر، وشركات الطيران تعيد تقييم مساراتها، والمستثمرون يراقبون قدرة الدولة على حماية البنية التحتية، فيما ترتفع كلفة الدفاع والشحن والطاقة.

وقد سبق لقوات صنعاء أن وضعت المطارات السعودية ضمن نطاق الرد في حال اتساع المواجهة. وفي معادلة كهذه، لا تحتاج صنعاء إلى إغلاق المطارات فعلياً لكي تفرض كلفة اقتصادية؛ يكفي أن يصبح احتمال استهدافها جزءاً من الحسابات التشغيلية لشركات الطيران والسياحة والاستثمار.

هذا هو الفارق الحقيقي بين 2015 و2026. يومها كانت الرياض تعتقد أن الحرب ستجري داخل اليمن وأن ثمنها الأساسي سيدفعه اليمنيون. أما اليوم، فتكلفة استمرارها باتت قادرة على الوصول إلى الاقتصاد السعودي نفسه، من أرامكو وخطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر والطيران والاستثمارات.

ولهذا لم يعد النقاش في الصحافة الغربية يدور حول قدرة السعودية على هزيمة قوات صنعاء، وانما حول كيفية خروجها من المأزق. Responsible Statecraft لخّص المشهد بعنوان شديد الوضوح: «كيف تحطمت واحترقت استراتيجية السعودية ضد قوات صنعاء»، وقال إن السياسة التي قامت طوال عقد على افتراض أن الوقت والمال والقوة ستولد في النهاية ضغطاً يكفي لإخضاع صنعاء أو إجبارها على تسوية بشروط الرياض لم تصمد أمام اختبار الأسابيع الأخيرة.

والاستنتاج الذي وصل إليه الموقع الأمريكي أكثر أهمية: بعد أحد عشر عاماً على التدخل في اليمن، قد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى التفاوض وفق شروط الطرف الذي دخلت الحرب أساساً لإبعاده عن صنعاء.

هذه الشروط أصبحت معروفة. قيادة صنعاء طرحت تعويضات عن الخسائر التي تنسبها إلى الحرب، ورفع القيود عن المطارات والموانئ، وترتيبات مرتبطة بعائدات النفط والغاز. ويقول Responsible Statecraft إن استمرار الضغط العسكري وفشل الحملات السابقة في إضعاف قوات صنعاء بصورة حاسمة يجعل التفاوض، على المدى القصير، المسار الأكثر قابلية للتطبيق.

وبالنسبة للرياض، تصبح المسألة أكثر قسوة كلما طال الوقت. العودة إلى حرب جوية واسعة تعني فتح الباب أمام موجات جديدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة وضرب منشآت الطاقة والاستثمارات والتصعيد البحري يعني وضع الصادرات السعودية نفسها داخل دائرة الخطر. أما الحرب البرية فتفتح باب استنزاف لا يبدو أن الولايات المتحدة أو الشركاء الغربيين مستعدين لخوضه.

هذا هو ما دفع مجلة نيوزويك إلى إعادة طرح سؤال «فيتنام السعودية»، وما جعل رويترز تتحدث عن «فخ اليمن»...

صحيح بأن المملكة تستطيع مواصلة القصف، وشراء مزيد من السلاح، وتمويل مزيد من التشكيلات العسكرية، لكن السؤال الذي يطاردها بعد أحد عشر عاماً هو: ما الذي يمكن لهذه الأدوات أن تحققه اليوم ولم تحققه منذ 2015؟

صنعاء اصبحت اكثر قوة وتسليحاً وتنظيماً. نفوذها وصل إلى الساحل الغربي وباب المندب. وقدرتها على فرض كلفة على الداخل السعودي أصبحت جزءاً من الحسابات الإقليمية.

ولهذا فإن المسار الذي ترسمه الوقائع الحالية يضيق أمام الرياض ويقربها أكثر من طاولة التفاوض. وطاولة 2026 ليست طاولة 2015؛ فالطرف الذي كانت السعودية تريد فرض شروطها عليه أصبح يمتلك أوراقاً عسكرية وبحرية واقتصادية لم تكن بحوزته عند بداية الحرب.

هذه هي النتيجة التي تثقل القرار السعودي اليوم: حرب بدأت بهدف إخضاع صنعاء لمعادلة النفوذ السعودي انتهت إلى وضع أصبحت فيه الرياض هي الطرف الذي يبحث عن كيفية وقف الضغط على حدوده ونفطه وممراته البحرية.

بالمجمل إذا واصلت السعودية الغارات الجوية ووسعت دعمها للمرتزقة فإن المواجهة مرشحة للدخول في مستوى أعلى من التصعيد. فقوات صنعاء تمتلك اليوم أدوات عسكرية كبيرة وقد أظهرت قدرتها على توسيع دائرة الرد لتشمل العمق السعودي ومنشآت الطاقة والممرات البحرية. ومع كل جولة تصعيد جديدة، ترتفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والأمنية على المملكة، من حماية المنشآت النفطية والمطارات إلى تأمين الملاحة وخطوط التصدير واحتواء التداعيات على الاستثمار.

ومثل هذا المسار يضع الرياض أمام معادلة شديدة الكلفة: استمرار الحرب يعني احتمال اتساع بنك الأهداف وارتفاع وتيرة الضربات والضغط البحري، بينما يصبح تحقيق حسم عسكري أكثر صعوبة في مواجهة قوة راكمت خلال أحد عشر عاماً خبرة وتسليحاً وقدرة أكبر على فرض كلفة مقابلة. وبذلك يتحول التصعيد من أداة ضغط على صنعاء إلى عبء متزايد على السعودية نفسها.

ويبقى العامل الأكثر حسماً في المرحلة المقبلة هو الزمن. فالسعودية تدخل هذه المواجهة وهي مرتبطة باستحقاقات اقتصادية ضخمة، ومشاريع دولية، ومواسم سياحية واستثمارية، وجدول زمني مضغوط لتحقيق أهداف «رؤية 2030».

وكل فترة إضافية من التوتر تفرض عليها كلفة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى صورة الاستقرار التي بنت عليها مشروعها الاقتصادي للسنوات المقبلة.

في المقابل، تراهن صنعاء على معادلة مختلفة تقوم على الصمود وإطالة قدرة الرد وتحويل الزمن نفسه إلى ورقة تفاوضية. ومع استمرار هذه المعادلة، يصبح كل شهر من المواجهة أكثر ثقلاً على الحسابات السعودية، فيما تتراكم لدى صنعاء أوراق تستخدمها عند تحديد شكل التسوية النهائية.

ولهذا قد تحسم المرحلة المقبلة في غرف السياسة أكثر مما تحسم في الميدان . فالمسألة بالنسبة للرياض أصبحت مرتبطة بتحديد الثمن الذي تستطيع تحمله قبل الوصول إلى اتفاق، وبالمساحة التي ستمنحها لصنعاء في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب.

وبهذا المعنى، تحمل السنوات الإحدى عشرة مفارقة يصعب تجاهلها: السعودية بدأت الحرب وهي تحدد شكل النهاية التي تريدها لليمن، فيما تتجه التطورات الحالية إلى مرحلة يصبح فيها إنهاء الحرب نفسه مرتبطاً بتفاهم مع صنعاء وبالشروط التي تستطيع الأخيرة تثبيتها على طاولة المفاوضات.


* عرب جورنال


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا