لسنوات، بنت السعودية خططها على قاعدة بسيطة: إذا أصبح الخليج ومضيق هرمز ساحة تهديد، فهناك طريق آخر يمكن أن يحمل النفط بعيداً عن الاختناق. ومن هنا جاءت أهمية خط أنابيب شرق غرب، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
لكن هذه المعادلة تحمل نقطة ضعف جغرافية صارخة: ينبع ليست نهاية الطريق، والبحر الأحمر ليس بحراً مغلقاً. ولكي تخرج ناقلات النفط منه إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية، عليها المرور من باب المندب.
وهنا تدخل صنعاء إلى قلب الحساب السعودي، فباب المندب ليس مجرد مضيق بعيد عن حقول النفط السعودية. إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وبالتالي البوابة البحرية التي يحتاجها أحد أهم البدائل التي بنت الرياض عليها قدرتها على تجاوز هرمز.
بمعنى آخر: حين تبحث السعودية عن طريق يهرب بنفطها من هرمز، تجد نفسها أمام باب المندب. وحين تنظر إلى باب المندب، تجد اليمن.
هذه هي العقدة التي تجعل الموقع اليمني أكثر أهمية من مجرد ورقة عسكرية. فالقوة هنا لا تُقاس فقط بما تستطيع صنعاء ضربه، وإنما بما تستطيع تهديده أو التأثير في أمنه بحكم الموقع. وكلما اتسع حضور أنصار الله على الساحل الغربي، أصبح البحر الأحمر جزءاً أكثر مباشرة من حسابات الحرب.
وتزداد حساسية المشهد عندما يتزامن ذلك مع تعطل خط شرق غرب. فالمسار الذي صُمم ليمنح السعودية هامشاً أوسع بعيداً عن هرمز يصبح أقل قيمة إذا كانت بوابة خروجه البحرية نفسها تقع في منطقة شديدة الحساسية أمنياً.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب على الرياض تجاهلها: السعودية لا تحتاج إلى إغلاق باب المندب بالكامل حتى تشعر بمشكلته؛ يكفي أن يصبح المرور فيه أكثر كلفة أو خطورة أو اضطراباً حتى تتراجع قيمة الطريق البديل الذي استثمرت فيه لعقود.
ولهذا فإن المسألة ليست أن اليمن يسيطر على النفط السعودي، ولا أن صادرات المملكة توقفت. هذه صياغة مبالغ فيها. المسألة الأعمق هي أن الجغرافيا اليمنية تستطيع التأثير في هامش الأمان الذي تحتاجه السعودية لتصدير النفط عبر البحر الأحمر.
وهنا يتحول باب المندب من مضيق جغرافي إلى نقطة ضغط استراتيجية، فالسعودية تملك النفط، وتملك خطوط الأنابيب والموانئ، وتملك أسطولاً من المصالح المرتبطة بالطاقة. لكنها لا تملك الجغرافيا التي تفصل ينبع عن المحيط. تلك الجغرافيا تبدأ جنوباً، عند اليمن، وتنتهي عند باب المندب.
وهكذا تعود الرياض إلى السؤال الذي حاولت طوال سنوات تجاوزه: ماذا تفعل إذا لم يعد هناك طريق آمن تماماً؟ هرمز في الشرق، وباب المندب في الجنوب، واليمن بينهما.
لهذا لا تكمن خطورة المشهد في أن صنعاء أغلقت شريان النفط السعودي، بل في أنها تجعل كل شريان بديل يمر عبر معادلة أمنية لا تستطيع الرياض التحكم بها وحدها.
وهنا تحديداً تتحول جغرافيا اليمن من هامش في الحساب السعودي إلى عقدة في قلبه، النفط قد يكون سعودياً، لكن طريق خروجه إلى العالم طريق يمنية لا تملكها السعودية.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية