حذّر مركز المخا للدراسات الاستراتيجية من ثلاثة مسارات محتملة لتطور الوضع في البحر الأحمر، تتراوح بين استمرار التفاهمات المحدودة بين الولايات المتحدة والحوثيين مع بقاء التصعيد الإقليمي، وتوسيع تلك التفاهمات لتشمل ترتيبات أوسع لحماية الملاحة، وانهيارها والعودة إلى التصعيد العسكري، في ظل تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم، وفق التقرير، على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب بالتزامن مع التوتر في مضيق هرمز.
كما حذّر مركز المخا للدراسات الاستراتيجية من أن التقدم العسكري لجماعة الحوثي الارهابية على الساحل اليمني والجزر الواقعة عند مدخل البحر الأحمر يهدد بتحويل باب المندب إلى ورقة ضغط إقليمية مرتبطة بالتوتر في مضيق هرمز، معتبراً أن التفاهمات الأمريكية الأخيرة مع الحوثيين قد تفضي إلى ترتيبات أمنية انتقائية في أحد أهم ممرات التجارة والطاقة العالمية.
وقال المركز في تقرير أعده حول التطورات الأخيرة اطلع عليه مأرب برس "إن سيطرة الحوثيين، وفق ما أورده التقرير، على مدينة المخا ومينائها في 10 سبتمبر ثم جزيرة ميون وأرخبيل حنيش وجزيرة زقر في 11 سبتمبر، بالتزامن مع استمرار التوتر في هرمز، أدخلت باب المندب بصورة متزايدة في معادلة أمنية تتجاوز الصراع اليمني.
وأضاف أن ما سماه «تشبيك المضيقين» يعكس انتقال الممرات البحرية الاستراتيجية من ساحات ضغط منفصلة إلى أوراق مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة، بحيث يمكن للضغط في أحد المضيقين أن يرفع القيمة الاستراتيجية للآخر.
وتتزامن هذه المخاوف مع تحذيرات أممية من تصاعد التوتر حول باب المندب. وقال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري أمام مجلس الأمن في 15 سبتمبر إن الوضع في المضيق أصبح «متقلباً بصورة متزايدة»، وإن الحوثيين واصلوا تقدمهم باتجاه باب المندب وسيطروا، وفق تقارير، على عدة جزر في جنوب البحر الأحمر. وأضاف أن حركة الشحن التجاري عبر البحر الأحمر لم تتأثر حتى ذلك الوقت، لكن التطورات أضافت إلى مخاوف الأسواق في ظل الاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز.
اتصالات أمريكية حذرة مع الحوثيين
ويربط مركز المخا بين هذه التطورات والاتصالات الأمريكية الأخيرة مع الحوثيين في سلطنة عمان.
وكانت رويترز قد ذكرت في 16 سبتمبر، نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة، أن مسؤولين أمريكيين عقدوا اجتماعاً غير معلن مع ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأمريكية بمسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد أيام من الهجوم الحوثي الذي أدى إلى السيطرة على أجزاء من الساحل اليمني على البحر الأحمر، بما فيها المخا وجزيرة ميون. وقالت المصادر إن سلطنة عمان ساعدت في ترتيب الاجتماع.
وبحسب المصادر التي تحدثت إلى رويترز، أبلغ الوفد الحوثي المسؤولين الأمريكيين بأنه لا يعتزم استهداف السفن الأمريكية أو الإسرائيلية، وأنه ملتزم بتفاهم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين واشنطن والحوثيين في مايو 2025، فيما أشار التقرير إلى استمرار استهداف السفن السعودية.
ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية عقد الاجتماع، لكنها قالت إن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر تمثل مصلحة أمريكية.
ويرى مركز المخا أن الاتصالات تطرح تساؤلات حول انتقال السياسة الأمريكية من المواجهة العسكرية المباشرة إلى تفاهمات محدودة لإدارة المخاطر، خصوصاً أن الولايات المتحدة صنفت الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية في مارس 2025، فيما انتهت الحملة العسكرية الأمريكية ضد الجماعة إلى اتفاق وقف إطلاق النار في مايو من العام نفسه.
أمن الملاحة أمام اختبار جديد
ويحذر التقرير من أن اقتصار التفاهمات على حماية سفن أمريكية وإسرائيلية، مع استمرار تعرض سفن سعودية للخطر، قد يؤدي إلى ما وصفه بـ«الأمن الانتقائي» في البحر الأحمر، بحيث تختلف درجة الحماية وفق هوية السفينة والتفاهمات السياسية القائمة.
وقال المركز إن مثل هذا الوضع قد يضعف مفهوم الأمن الجماعي للملاحة الدولية، ويؤدي إلى ظهور ترتيبات أمنية متباينة في البحر الأحمر بدلاً من منظومة موحدة لحماية حركة السفن.
وتكتسب المخاوف أهمية أكبر في ظل اضطراب حركة الطاقة العالمية. وكانت رويترز قد أفادت بأن خام برنت أغلق في 17 سبتمبر عند 104.82 دولار للبرميل، بينما ظلت أسعار النفط فوق 100 دولار، وسط اضطرابات مرتبطة بالصراع الإقليمي ومخاطر على إمدادات الطاقة.
كما وصفت رويترز باب المندب بأنه ممر بحري حيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويمثل طريقاً مهماً للسلع والنفط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
السعودية أمام حسابات أمنية جديدة
وقال مركز المخا إن التطورات قد تدفع السعودية إلى إعادة تقييم مستوى اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عنها.
ويأتي ذلك بينما بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر في جدة في 14 سبتمبر التطورات الأخيرة، بعد طلب الرياض دعماً عسكرياً أمريكياً لمواجهة الحوثيين.
وقالت رويترز إن واشنطن رفضت السماح بشن ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، لكنها التزمت بتقديم دعم للسعودية عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في عمليات الاستهداف.
وفي تحليل نشرته رويترز في 16 سبتمبر، قالت الوكالة إن التقدم الحوثي نحو باب المندب والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية أثارا تساؤلات بشأن الضمانات الأمنية التي تحصل عليها الرياض من الولايات المتحدة، في وقت تعزز فيه إيران نفوذها الإقليمي.
المركز: التفاهم البحري لا ينهي الحرب اليمنية
ويحذر التقرير من أن أي تفاهم أمريكي-حوثي بشأن الملاحة قد ينجح في خفض خطر الهجمات على سفن محددة، لكنه لن يعالج جذور الصراع اليمني.
ويشير إلى أن قضايا السلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة والموارد وشكل الدولة والترتيبات الأمنية والسيادة ستظل قائمة، حتى في حال استمرار التفاهمات البحرية.
ويرى المركز أن الفصل بين أمن الملاحة والتسوية السياسية في اليمن قد يؤدي إلى تعامل دولي مع الحوثيين في الملفات التي تمس المصالح الخارجية المباشرة، بينما يبقى النزاع الداخلي دون حل.
وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ قد حذر في 10 سبتمبر من دخول اليمن مرحلة «أكثر خطورة» مع تصاعد القتال على جبهات متعددة، ودعا إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والحفاظ على مسار التسوية السياسية.
المصدر:
مأرب برس