الأهم أن هذه الانتكاسة لم تأتِ نتيجة معركة منفردة، بل نتيجة انهيار سريع للقوات المدعومة من الرياض، الأمر الذي أتاح لقوات صنعاء الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية والسعودية التي تُركت أثناء الانسحاب. ووفق مصادر إقليمية نقلت عنها رويترز، يمكن لهذه الغنائم أن تعزز القدرات العسكرية لصنعاء، فضلاً عن توفير معلومات ثمينة عن تجهيزات خصومها. وبذلك تتحول خسارة الميدان إلى مكسب عسكري واستخباراتي إضافي، في معادلة تزيد من صعوبة احتواء صنعاء مستقبلاً.
وتبرز المفارقة الأكبر في أن الرياض، رغم ثقلها المالي والعسكري، تبدو عاجزة عن اتخاذ رد موازٍ. فبحسب مسؤولين غربيين لا الولايات المتحدة ولا الدول الأوروبية مستعدة لتقديم دعم عسكري مباشر لهجوم مضاد، كما أن واشنطن وحلفاءها لم ينضموا إلى التحالف البحري الذي أعلنت السعودية تشكيله في يوليو. وحتى تحرك محمد بن سلمان باتجاه القاهرة يعكس، بحث الرياض عن دعم إقليمي إضافي لاحتواء تداعيات التقدم اليمني، وفق مصادر تحدثت رويترز.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الخسارة العسكرية لتصل إلى أزمة في شبكة التحالفات السعودية. فالرياض تجد نفسها أمام معادلة صعبة: ترك صنعاء تثبت مكاسبها قد يحول الانتصار الميداني إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد، بينما توسيع المواجهة قد يفتح الباب أمام هجمات أعمق داخل السعودية. وفي الوقت نفسه، يكشف تردد الحليف الأمريكي حدود الضمانات الأمنية التي اعتمدت عليها المملكة طويلاً.
في المقابل، تبدو صنعاء أكثر قدرة على تحويل التقدم العسكري إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية. فالتقدم في الساحل الغربي والسيطرة على باب المندب يمنحها موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، فيما تتزامن هذه التقدمات مع استمرار الحظر اليمني لصادرات النفط السعودية والضغط على مساراتها البديلة. حيث بدأت السعودية بالفعل زيادة شحنات النفط عبر ترتيبات نقل قبالة سلطنة عُمان بعد تعرض خط أنابيبها شرق-غرب لأضرار، بينما توقفت تحميلات النفط في ينبع.
واللافت أن ما يحدث يعيد إنتاج نمط تاريخي في اليمن: قوة محلية قادرة على الصمود أمام تدخلات خارجية أكبر منها عسكرياً. لذلك فإن انتكاسة السعودية الحالية لا تبدو مجرد خسارة جولة، بل اختبار لقدرتها في الحفاظ على نفوذها اليمني في ظل تراجع استعداد حلفائها للتدخل المباشر. وفي المقابل، كلما نجحت صنعاء في تثبيت مكاسبها وتحويلها إلى أوراق تفاوض، ازداد وزنها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة، وأصبح من الصعب التعامل معها باعتبارها طرفاً يمكن تجاوزه أو احتواؤه بالقوة وحدها.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية