لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في اليمن اليوم باعتب
اره مجرد مواجهة عسكرية بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وميليشيا الحوثي، كما لم يعد توصيف الصراع بأنه نزاع داخلي بين يمنيين وحركة مسلحة ذات مشروع ديني وسياسي كافياً لفهم المشهد بكل أبعاده.
فخلال السنوات الماضية، وبصورة أكثر وضوحاً مع التطورات الأخيرة، تجاوزت الحرب حدود الجغرافيا اليمنية وتحولت تدريجياً إلى نقطة التقاء لصراعات إقليمية ودولية، تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والأميرك
ية، وتظهر على أطرافها حسابات روسية وصينية، فيما أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والطاقة والتجارة الدولية.
ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: ماذا سيحدث في اليمن؟ بل: ماذا يمكن أن يحدث للمنطقة ولطرق التجارة والطاقة الدولية إذا تحولت الأراضي والمياه اليمنية إلى منصة دائمة لإدارة صراع إقليمي ودولي مفتوح؟
من انقلاب داخلي إلى ملف يتجاوز الحدود
بدأت المرحلة الحالية من الصراع اليمني أساساً من الداخل، بعد سيطرة ميليشيا الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014، قبل أن تتوسع المواجهة وتتدخل دول التحالف العربي في مارس 2015 دعماً للحكومة المعترف بها دولياً.
لكن السنوات اللاحقة نقلت الأزمة إلى مستوى مختلف تماماً.
فقد تحولت القدرات العسكرية للحوثيين من أسلحة
تقليدية محدودة نسبياً إلى منظومة تضم صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وصواريخ مضادة للسفن وقدرات بحرية، وهي تطورات ارتبطت على مدى سنوات باتهامات دولية متكررة لإيران بتقديم السلاح والخبرة والتكنولوجيا للجماعة.
وأشارت تقارير دولية وأممية خلال السنوات الماضية إلى شبكات تهريب ونقل مكونات عسكرية وتقنيات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى مناطق سيطرة الحوثيين، فيما ظلت طهران تنفي تقديم دعم عسكري مباشر للجماعة.
ومع التطورات العسكرية الأخيرة عاد ملف الدور الإيراني إلى واجهة النقاش بصورة أكبر، خصوصاً مع الاتهامات المتعلقة بدور الحرس الثوري الإيراني وخبرائه في تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية للحوثيين.
وهذا يعني أن قراءة المعركة اليمنية باعتبارها صراعاً يمنياً صرفاً أصبحت أكثر صعوبة.
اليمن في قلب الصراع الإيراني الأوسع
الأهمية الأخطر لهذا التحول تكمن في أن اليمن يمنح إيران، عبر علاقتها ب
الحوثيين، مساحة نفوذ في موقع جغرافي بالغ الحساسية.
فالجغرافيا اليمنية تطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يربط المحيط الهندي وخليج عدن بالبحر الأحمر ومنه بقناة السويس والبحر المتوسط.
وعبر هذا الطريق تمر كميات ضخمة من التجارة الدولية والطاقة المتجهة بين آسيا وأوروبا، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه قضية تتجاوز اليمن والمنطقة.
وهنا تحديداً تتغير طبيعة الحرب.
فمن يمتلك قدرة عسكرية مؤثرة على الساحل اليمني والجزر والمناطق المحيطة بباب المندب لا يمتلك نفوذاً يمنياً فحسب، وإنما يمتلك أداة ضغط يمكن أن تمتد آثارها إلى القاهرة والرياض وواشنطن ولندن وباريس وبكين وغيرها من العواصم المرتبطة تجارتها وإمداداتها بهذا الطريق البحري.
ولهذا فإن الصراع على الساحل الغربي لا يمكن فصله عن الصراع على أمن البحر الأحمر.
باب المندب.. حين تصبح الجغرافيا اليمنية قضية عالمية
أثبتت هجمات البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة أن جماعة مسلحة تتمركز داخل اليمن تستطيع إحداث تأثير اقتصادي يتجاوز المنطقة بآلاف الكيلومترات.
فالهجمات على السفن دفعت شركات ملاحة دولية إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين.
وهذه الوقائع توضح أن الصاروخ أو الطائرة المسيرة التي تُطلق من اليمن لم تعد قضية يمنية فقط.
فكل تهديد مستمر للممرات البحرية ينعكس على شركات التأمين وأسعار الشحن وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، وبالتالي قد يصل أثره في نهاي
ة المطاف إلى المستهلك في دول بعيدة تماماً عن اليمن.
وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات الأزمة اليمنية: بلد يعاني واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية والاقتصادية أصبح في الوقت نفسه، بفعل موقعه الجغرافي، مؤثراً في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
روسيا تدخل على خط المعادلة
وإلى جانب إيران، ظهرت خلال الفترة الماضية تقارير ومؤشرات بشأن اهتمام روسي متزايد بالحوثيين.
وسبق أن كشفت تقارير دولية عن محادثات تتعلق بإمكانية حصول الحوثيين على أسلحة روسية متطورة مضادة للسفن، من بينها صواريخ “ياخونت”، دون وجود تأكيد علني على إتمام مثل هذه الصفقة.
كما ظهرت تقارير تحدثت عن احتمالات تبادل معلومات أو تعاون غير مباشر مرتبط بحركة السفن في البحر الأحمر، وهي معلومات ظلت في إطار التقارير المنسوبة إلى مصادرها ولم تتحول جميع تفاصيلها إلى حقائق مثبتة رسمياً.
لكن دلالة هذه التطورات تتجاوز مسألة تسليم سلاح من عدمه.
فاليمن يمكن أن يتحول، في حسابات القوى الكبرى، إلى ساحة منخفضة التكلفة لممارسة الضغط المتبادل.
وإذا كانت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تقدم دعماً واسعاً لأوكرانيا في مواجهة روسيا، فإن أي تقارب روسي مع قوة مسلحة قادرة على تهديد سفن ومصالح غربية في البحر الأحمر يفتح الباب أمام ربط ساحات صراع تبدو ظاهرياً منفصلة.
وعندها تصبح أوكرانيا والبحر الأحمر وإيران واليمن ملفات متباعدة جغرافياً لكنها متصلة سياسياً داخل لعبة النفوذ الدولي.
وماذا عن الصين؟
الدور الصيني أكثر تعقيداً ويحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
فلا تتوافر أدلة موثوقة تسمح بالقول إن بكين تقدم دعماً عسكرياً مباشراً للحوثيين، لكن الصين أصبحت طرفاً معنياً بصورة مباشرة بما يحدث في البحر الأحمر، لسبب بسيط: جزء أساسي
من تجارتها وإمداداتها بالطاقة يعتمد على استقرار طرق الملاحة الممتدة من الخليج والمحيط الهندي عبر باب المندب والبحر الأحمر.
وأشارت تقارير دولية خلال الفترة الماضية إلى اتصالات مرتبطة بضمان سلامة مرور السفن الصينية عبر البحر الأحمر.
ومجرد اضطرار قوة اقتصادية بحجم الصين إلى وضع الحوثيين وأمن البحر الأحمر ضمن حساباتها السياسية والدبلوماسية يكشف إلى أي مدى تجاوزت الأزمة اليمنية حدودها المحلية.
لكن بكين تتحرك وفق مقاربة مختلفة عن واشنطن، فهي تفضل حماية مصالحها التجارية عبر الاتصالات والدبلوماسية وتجنب الانخراط العسكري المباشر، وهو ما يفسر حرصها المتكرر على الدعوة إلى استقرار طرق الملاحة والحلول السياسية.
الولايات المتحدة.. بين حماية الملاحة وتجنب حرب جديدة
في المقابل تبدو السياسة الأميركية أمام معادلة شديدة التعقيد.
فالولايات المتحدة نفذت خلال مراحل مختلفة عمليات عسكرية ضد مواقع حوثية بهدف الحد من الهجمات على الملاحة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في الانجرار إلى حرب يمنية مفتوحة وطويلة.
كما ظهرت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة والمباشرة المرتبطة بأمن الملاحة وخفض التصعيد.
وهذه السياسة تعكس المعضلة الأميركية بوضوح: واشنطن تريد منع تهديد الملاحة الدولية والمصالح الأميركية، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة يصعب تحديد نهايتها.
غير أن المشكلة هي أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغاً طويلاً.
فكلما تراجعت قدرة القوى الدولية على فرض قواعد واضحة لحماية الملاحة، ازدادت قدرة القوى الإقليمية والجماعات المسلحة على استخدام الممرات البحرية كورقة تفاوض وضغط سياسي.
أوروبا تدفع الثمن أيضاً
أوروبا بدورها ليست بعيدة عن هذه المعادلة.
فالبحر الأحمر وقناة السويس يمثلان الطريق البحري الأقصر بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، وأي اضطراب طويل في باب المندب يعني اضطرار السفن إلى الدوران حول أفريقيا، وما يتبع ذلك من ارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين وتأخير وصول البضائع.
ولهذا فإن الاعتقاد بأن ما يحدث في اليمن أزمة يمكن احتواؤها داخل حدود الج
زيرة العربية يتجاهل طبيعة الاقتصاد العالمي الحديث.
السفينة التي لا تستطيع عبور باب المندب قد تضطر إلى قطع آلاف الكيلومترات الإضافية، وهذه الكلفة لا تختفي، وإنما تنتقل عبر سلسلة التجارة حتى تصل إلى الشركات والمستهلكين.
خطورة اجتماع هرمز وباب المندب في أزمة واحدة
هنا يظهر أحد أكثر أبعاد الأزمة حساسية.
إيران تطل على مضيق هرمز، فيما يمتلك الحوثيون قدرة على التأثير في أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
وهذان المضيقان من أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة في العالم.
وفي حال تحول التوتر فيهما إلى أزمة متزامنة وطويلة، فإن التداعيات لن تكون عسكرية فقط.
ستظهر آثارها في أسعار النفط، وأسعار التأمين البحري، وأجور الشحن، وأسعار الغذاء، وسلاسل التوريد، وربما في معدلات التضخم داخل اقتصادات لا علاقة لها مباشرة بالحرب.
ومن هنا تصبح السيطرة على السواحل والجزر اليمنية مسألة ذات وزن يتجاوز بكثير حساب المساحة الجغرافية.
اليمن يتحول إلى ورقة في التفاوض الدولي
الخطر الأكبر ليس فقط في استمرار الحرب، وإنما في تغير وظيفة اليمن داخل الصراع الإقليمي.
فبدلاً من أن يكون اليمن دولة تعاني نزاعاً داخلياً يحتاج إلى حل، هناك خطر أن يتحول تدريجياً إلى ورقة تستخدمها أطراف إقليمية ودولية في ملفات أخرى.
إيران تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم مصدراً مهماً للنفوذ في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
وروسيا يمكن أن ترى في تطوير علاقاتها مع الجماعة وسيلة محتملة للضغط غير المباشر على القوى الغربية.
والصين تريد قبل كل شيء ضمان استمرار التجارة والطاقة.
والولايات المتحدة تريد حماية الملاحة ومصالحها من دون التورط في حرب مفتوحة.
أما أوروبا فتبحث عن استقرار طريق تجاري يمثل شرياناً أساسياً لاقتصادها.
وسط كل هذه الحسابات يبقى اليمنيون أنفسهم الطرف الذي يتحمل الكلفة الأكبر.
الكلفة اليمنية أولاً
بينما تتحدث القوى الكبرى عن أمن الملاحة والطاقة، يدفع اليمنيون ثمناً مباشراً للحرب.
فكل موجة جديدة من القتال تعني مزيداً من النازحين، ومزيداً من الأسر التي تفقد منازلها ومصادر رزقها، وتضاعف الاحتياجات الإنسانية في بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب والأزمة الاقتصادية.
وهذا هو الوجه الآخر للمواجهة.
فخلف الصواريخ والجزر والممرات البحرية توجد أسر تبحث عن مأوى ومياه وغذاء وأمان.
ومن هنا فإن تدويل الأزمة لا يعني بالضرورة أن العالم أصبح أقرب إلى حلها، بل قد يعني أيضاً أن عدد اللاعبين ومصالحهم أصبح أكبر، وأن الوصول إلى تسوية يمنية أصبح أكثر تعقيداً.
المجتمع الدولي أمام اختبار مختلف
المشكلة الأساسية في المقاربة الدولية لليمن خلال سنوات طويلة أنها تعاملت مع الملف في أحيان كثيرة باعتباره أزمة يمكن إدارتها بدلاً من مشكلة ينبغي حل جذورها.
لكن ظهور الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات البحرية أثبت أن ترك الأزمة اليمنية مفتوحة لا يعني بقاء آثارها داخل اليمن.
وقد طالب مجلس الأمن مراراً بوقف الهجمات على السفن في البحر الأحمر، فيما واصل المسؤولون الدوليون الدعوة إلى العودة إلى مسار سياسي شامل.
والتحدي اليوم هو كيفية الجمع بين المسارين: حماية الملاحة الدولية ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع عسكري مفتوح، وفي الوقت ذاته إيجاد تسوية سياسية تعالج جذور الحرب اليمنية وتحفظ سيادة الدولة ومؤسساتها.
المعركة لم تعد يمنية وحدها
كل المؤشرات السابقة تقود إلى حقيقة واضحة: ما يحدث في اليمن اليوم أكبر من الحدود اليمنية.
ليس لأن اليمن فقد طبيعته المحلية، ولا لأن الأطراف اليمنية لم تعد فاعلة، بل لأن الموقع الجغرافي للبلاد والتدخلات الخارجية وتطور قدرات ميليشيا الحوثي العسكرية جعلت نتائج الحرب مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي والدولي.
فاليمن يقع عند واحدة من أهم عقد التجارة العالمية.
وعلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر تقع طرق تؤدي إلى قناة السويس وأوروبا.
وفي الشرق توجد طرق الطاقة القادمة من الخليج.
وفي الشمال توجد السعودية، إحدى أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم.
وفي قلب كل ذلك توجد إيران والولايات المتحدة وروسيا والصين، ولكل منها مصالحها وحساباتها وأدواتها.
ولهذا فإن الاعتقاد بأن العالم يستطيع مراقبة ما يحدث في اليمن من بعيد، ثم التحرك فقط عندما تتعرض سفينة أو منشأة نفطية للخطر، يتجاهل الترابط المتزايد بين أمن اليمن وأمن المنطقة والملاحة الدولية.
اليمن أمام مرحلة مختلفة
اليمن اليوم يقف عند نقطة تحول شديدة الحساسية.
فالحرب التي بدأت أزمة داخلية تحولت على مدى أكثر من عقد إلى ملف إقليمي، ثم امتدت تداعياتها إلى واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.
الدعم الإيراني للحوثيين والاتهامات المتعلقة بدور
الحرس الثوري أصبحا جزءاً رئيسياً من النقاش الدولي حول الحرب، مع استمرار النفي الإيراني لبعض هذه الاتهامات. وفي الوقت نفسه ظهرت مؤشرات على اهتمام روسي بتطوير العلاقة مع الجماعة، بينما دخلت الصين في اتصالات مرتبطة بحماية مصالحها البحرية، وتحاول الولايات المتحدة الموازنة بين الردع والتفاوض وتجنب الانخراط في حرب جديدة.
وهكذا تتشكل أمام اليمن معادلة جديدة شديدة التعقيد.
لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يسيطر على مدينة أو محافظة، وإنما بمن يملك القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر، وكيف يمكن استخدام هذه الجغرافيا في صراع النفوذ الإقليمي والدولي.
ولهذا فإن أي تطور كبير في اليمن لن تبقى نتائجه محصورة في صنعاء أو العاصمة المؤقتة عدن أو الحديدة.
ستمتد آثاره إلى الرياض والقاهرة، وإلى ناقلات النفط في البحر الأحمر، وشركات الشحن الأوروبية، وأسواق الطاقة الآسيوية، وحسابات واشنطن وموسكو وبكين.
وهذه هي الحقيقة التي يتعين على المجتمع الدولي التعامل معها بجدية: استقرار اليمن لم يعد مسألة يمنية فقط، بل أصبح جزءاً من استقرار البحر الأحمر والجزيرة العربية وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
وكلما تأخر الوصول إلى مقاربة دولية أكثر شمولاً تعالج البعدين اليمني والإقليمي للأزمة، ازدادت صعوبة احتواء تداعياتها، وارتفعت كلفتها على اليمن والمنطقة والعالم.
المصدر:
عدن الغد