تمثل سيطرة ميليشيا الحوثي على مدينة المخا ومينائها عل
ى الساحل الغربي لليمن تحولًا استراتيجيًا يتجاوز الأهمية العسكرية للمدينة، بالنظر إلى موقعها القريب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وما يترتب على ذلك من انعكاسات محلية وإقليمية ودولية تتصل بموازين القوى داخل اليمن وأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتشير طبيعة التطورات الميدانية خلال اليومين الماضيين إلى أن نتائج المعركة لا يمكن قياسها فقط بمساحة الأراضي التي انتقلت السيطرة عليها، إذ تكتسب المخا أهميتها من موقعها الجغرافي أكثر من حجمها السكاني أو العمراني.
فالمدينة تقع ضمن الشريط الساحلي المؤدي جنوبًا نحو ذباب وباب المندب، بينما يشك
ل الساحل الغربي والجزر اليمنية المقابلة له نطاقًا جغرافيًا متصلًا بأمن المضيق. ومن ثم، فإن وجود ميليشيا الحوثي في المخا يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بالوجود العسكري للجماعة بالقرب من طرق الملاحة الدولية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يمتلك فيه الحوثيون بالفعل قدرات صاروخية وطائرات مسيرة ووسائط بحرية استخدمت خلال السنوات الماضية في استهداف سفن ومواقع مختلفة في البحر الأحمر، وهو ما يجعل التقدم البري على الساحل مختلفًا في تأثيراته عن أي تقدم مماثل في جبهة داخلية.
البعد المحلي.. اختلال جديد في ميزان القوى
محليًا، تشكل السيطرة على المخا ضربة كبيرة للقوى المناهضة للحوثيين في الساحل الغربي، ليس فقط بسبب خسارة المدينة، وإنما بسبب ما كانت تمثله خلال السنوات الماضية كمركز عسكري وسياسي ولوجستي رئيسي.
وكانت المخا قد تحولت منذ إخراج الحوثيين منها في السنوات السابقة إلى إحدى أهم نقاط تمركز القوات المناهضة لهم على الساحل، إضافة إلى دور مينائها ومطارها وموقعها الرابط بين الساحل الغربي ومحافظة تعز والمناطق الجنوبية.
وبالتالي
، فإن خسارتها تعني تغيرًا ملموسًا في خارطة السيطرة، وتفرض إعادة تقييم خطوط الدفاع والانتشار في المناطق الواقعة جنوب المدينة وشرقها.
كما تفتح التطورات نقاشًا داخليًا واسعًا بشأن الأسباب التي سمحت بحدوث الاختراق الحوثي، ومدى فاعلية منظومات القيادة والسيطرة والتنسيق بين مختلف تشكيلات القوات المسلحة.
وتكشف طبيعة التراجع الذي شهدته بعض جبهات الساحل عن مشكلة تتجاوز حجم القوات أو التسليح إلى طريقة إدارة العمليات العسكرية نفسها، خصوصًا في ظل تعدد التشكيلات وتباين غرف القيادة والمرجعيات العملياتية.
ومن المرجح أن يصبح ملف إعادة تنظيم القوات في الساحل الغربي أحد أبرز الملفات العسكرية خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع مراجعة أسباب الانسحابات والثغرات التي أدت إلى فقدان المدينة.
المخا وباب المندب.. لماذا تغير الجغرافيا طبيعة الحدث؟
لا تعني السيطرة على المخا السيطرة على باب المندب بصورة مباشرة، فالمضيق يقع إلى الجنوب من المدينة، ولا تزال هناك مناطق ومواقع فاصلة بينهما.
لكن أهمية التطور تكمن في تقليص المسافة الجغرافية بين مناطق انتشار الحوثيين والمضيق، وتوسيع نطاق الساحل الذي يمكن استخدامه لأغراض عسكرية أو استطلاعية أو لوجستية.
وفي الحسابات البحرية، لا يشترط أن تسيطر قوة عسكرية على المضيق نفسه لكي تؤثر في حركة الملاحة.
فالقدرة على نشر الصواريخ الساحلية أو الطائرات المسيرة أو الزوارق الهجومية أو تنفيذ عمليات استطلاع ومراقبة يمكن أن ترفع مستوى التهديد، حتى دون إغلاق الممر البحري.
ولهذا فإن القيمة الاستراتيجية للمخا ترتبط أساسًا بموقعها ضمن البيئة الجغرافية المحيطة بباب المندب.
البعد الدولي.. من حرب يمنية إلى مسألة أمن بحري
دوليًا، يضع التطور الأخير الحرب اليمنية مجددًا في صدارة ملفات أمن البحر الأحمر.
فالولايات المتحدة والدول الأوروبية والقوى الآسيوية المستوردة والمصدرة عبر قناة السويس لديها مصلحة مباشرة في استمرار حركة الملاحة دون تهديد.
ويمثل باب المندب الحلقة الجنوبية للطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي والبحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط، ولذلك فإن أي ارتفاع في المخاطر الأمنية عند المضيق ينعكس على سلسلة تجارية تتجاوز اليمن والمنطقة.
وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر خلال السنوات الماضية أن مجرد ارتفاع مستوى التهديد يمكن أن يدفع شركات شحن إلى تغيير مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني رحلات أطول وتكاليف وقود وتأمين أكبر وتأخيرًا في وصول البضائع.
ومن هنا، يُرجح أن تنظر العواصم الغربية إلى السيطرة الحوثية على المخا من زاوية مختلفة عن التطورات في الجبهات اليمنية الداخلية.
فالتغير العسكري في مأرب أو البيضاء أو تعز يحمل أهمية كبيرة في ميزان الحرب اليمنية، بينما يحمل التغير في الساحل الغربي بعدًا إضافيًا يتعلق بالمصالح الاقتصادية والأمنية الدولية.
السعودية.. اتساع نطاق التهديد
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تزيد السيطرة الحوثية على المخا من تعقيدات المشهد الأمني المرتبط باليمن.
فالتهديد الحوثي للسعودية ارتبط تاريخيًا بالحدود الجنوبية والهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، إلا أن اتساع نفوذ الجماعة على الساحل الغربي يضيف البحر الأحمر إلى الحسابات بصورة أكبر.
وتملك المملكة ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، إضافة إلى منشآت اقتصادية وموانئ ومسارات لتصدير الطاقة عبر الساحل الغربي، ما يجعل استقرار البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من أمنها القومي.
ويعني ذلك أن الرياض ستكون معنية بمنع تحول المكاسب الحوثية الأخيرة إلى وضع عسكري مستقر يسمح للجماعة بتوسيع نطاق عملياتها البحرية أو زيادة قدرتها على تهديد الملاحة.
مصر.. أمن قناة السويس يبدأ من باب المندب
تمثل التطورات كذلك مصدر اهتمام مباشر لمصر.
وترتبط قناة السويس وباب المندب جغرافيًا ووظيفيًا ضمن ممر بحري واحد، إذ تمر السفن القادمة من المحيط الهندي عبر باب المندب والبحر الأحمر قبل الوصول إلى القناة.
وأي اضطرابات تؤدي إلى تراجع حركة السفن عبر باب المندب تنعكس على حركة قناة السويس وإيراداتها.
ولذلك، فإن توسع نفوذ الحوثيين بالقرب من المضيق يحمل بالنسبة للقاهرة بعدًا اقتصاديًا وأمنيًا، ومن المتوقع أن يبقى استقرار جنوب البحر الأحمر أحد الملفات التي تراقبها مصر بصورة مباشرة.
إيران.. ورقة إضافية في البحر الأحمر
يمثل البعد الإيراني أحد أهم عناصر قراءة التطورات.
فالحوثيون جزء من شبكة علاقات وتحالفات إقليمية بنتها إيران خلال العقود الماضية، وحصلت الجماعة على دعم وخبرات وتقنيات عسكرية إيرانية، وهو ما يجعل توسع نفوذها في منطقة استراتيجية مثل الساحل الغربي ذا أهمية تتجاوز الحسابات اليمنية.
ومن منظور الصراع الإقليمي، فإن وجود قوة حليفة لطهران بالقرب من باب المندب يمنح إيران ورقة ضغط إضافية في منطقة تمر عبرها مصالح دولية ضخمة.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر بالنظر إلى الموقع الإيراني بالقرب من مضيق هرمز، ما يعني أن تصاعد الأزمات بالتزامن في هرمز وباب المندب يمكن أن يضاعف الضغوط على أسواق الطاقة وحركة النقل البحري.
ولا يعني ذلك قدرة إيران أو الحوثيين على إغلاق المضيقين بصورة مطلقة، لكنه يرفع تكلفة التعامل الأمني والعسكري مع أي تصعيد إقليمي.
إسرائيل والولايات المتحدة
يدخل التطور أيضًا ضمن حسابات إسرائيل والولايات المتحدة، بالنظر إلى العمليات الحوثية السابقة في البحر الأحمر.
وبالنسبة لإسرائيل، يمثل البحر الأحمر منفذًا بحريًا استراتيجيًا عبر إيلات، ولذلك فإن توسع قدرات الحوثيين في الساحل الغربي يضيف عنصرًا جديدًا إلى تقديرات المخاطر الأمنية.
أما الولايات المتحدة، التي شاركت خلال السنوات الماضية في عمليات عسكرية لحماية الملاحة واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية، فمن المرجح أن تنظر إلى التطور من زاوية قدرة الحوثيين على استخدام المناطق الجديدة لتعزيز عملياتهم البحرية.
ومن هنا قد تتحول مسألة تثبيت الحوثيين لسيطرتهم على المخا إلى عامل مؤثر في طبيعة السياسة الأمريكية تجاه اليمن والبحر الأحمر.
هل يعني سقوط المخا تهديدًا مباشرًا للملاحة؟
من الضروري التفريق بين السيطرة الجغرافية والقدرة العملياتية.
فالسيطرة على المخا لا تعني تلقائيًا قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب، لكنها تمنحهم موقعًا أكثر تقدمًا على الساحل وتوسع الخيارات المتاحة أمامهم.
وسيكون العامل الحاسم هو طبيعة الانتشار العسكري الذي ستقيمه الجماعة داخل المدينة ومحيطها، وما إذا كانت ستنقل إليها قدرات صاروخية أو بحرية أو أنظمة مراقبة واستطلاع.
وسيحدد ذلك مستوى رد الفعل الدولي.
فإذا اقتصرت السيطرة على انتشار بري، فقد تركز الاستجابة الدولية على الاحتواء والمراقبة.
أما إذا ظهرت مؤشرات على تحويل المخا إلى قاعدة لتهديد السفن أو نشر منظومات هجومية، فقد تنتقل القضية سريعًا إلى مستوى مختلف من التعامل الدولي.
لماذا حدث الاختراق؟
على المستوى اليمني، ستكون الإجابة عن هذا السؤال أساسية لأي محاولة لاستعادة المبادرة.
وتشير القراءة الأولية إلى مجموعة عوامل محتملة، بينها سرعة التحرك الحوثي، والضغط المتزامن على أكثر من جبهة، واختلال التنسيق بين القوات الموجودة على الأرض، إضافة إلى احتمالات وجود قصور في المعلومات والاستطلاع والإنذار المبكر.
كما أن تعدد التشكيلات العسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين ظل طوال سنوات عامل ضعف بنيويًا، خصوصًا عند الانتقال من العمليات المحدودة إلى المواجهات واسعة النطاق.
وإذا لم تجر معالجة هذه الاختلالات، فإن إرسال تعزيزات جديدة قد يوقف التقدم مؤقتًا لكنه لن يعالج أسباب المشكلة.
كيف يمكن مواجهة الوضع الجديد؟
تتوزع خيارات المواجهة على ثلاثة مستويات مترابطة: عسكري وسياسي ودولي.
عسكريًا، تتمثل الأولوية في وقف أي تمدد إضافي وتأمين المناطق والمواقع الاستراتيجية المتبقية، بالتزامن مع إعادة بناء القيادة والسيطرة وتوحيد المعلومات الميدانية بين مختلف تشكيلات القوات المسلحة.
كما تتطلب المرحلة مراجعة منظومة الاستطلاع والإنذار المبكر وخطوط الإمداد، وتحديد المسؤولية العملياتية بصورة واضحة، بما يمنع تكرار حالات الانسحاب غير المنظم أو انهيار خطوط الدفاع تحت ضغط الهجمات المفاجئة.
ولا ينبغي أن تكون أي محاولة لاستعادة المناطق المفقودة قائمة على رد فعل سريع فقط، وإنما على تقييم للقدرات والطرق والإمدادات والبيئة السكانية وحماية المدنيين.
سياسيًا، تحتاج الحكومة إلى الحد من الخلاف
ات داخل القوى المناهضة للحوثيين، لأن أي صراع داخلي في هذه المرحلة يمنح الجماعة فرصة لاستثمار تفوقها الميداني وتوسيع مكاسبها.
أما دوليًا، فتمتلك الحكومة فرصة لإعادة تقديم ملف الحرب من خلال ارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر.
تحرك دبلوماسي مختلف
من شأن السيطرة الحوثية على المخا أن تمنح الحكومة اليمنية أرضية جديدة للتحرك لدى مجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول المطلة على البحر الأحمر.
لكن نجاح هذا التحرك يتطلب خطابًا مختلفًا عن البيانات التقليدية.
فبدل تقديم المخا بوصفها خسارة محلية فقط، يمكن تقديمها ضمن ملف متكامل يتناول أمن باب المندب وحرية الملاحة وتهديد السفن وأمن الطاقة وقناة السويس.
كما يمكن الدفع نحو تنسيق أكبر بين الدول المطلة على البحر الأحمر لتبادل المعلومات ومراقبة السواحل ومنع تهريب الأسلحة وتعزيز أمن الممرات البحرية.
وسيكون العامل الأهم هو قدرة الحكومة على إقناع المجتمع الدولي بأن حماية الملاحة لا يمكن أن تعتمد فقط على السفن الحربية المنتشرة في البحر، وإنما تحتاج كذلك إلى معالجة مصادر التهديد الموجودة على اليابسة.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
يمكن حصر المسارات المحتملة بعد السيطرة على المخا في ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: تثبيت السيطرة.
تحاول ميليشيا الحوثي تحصين المخا ومحيطها وإعادة تنظيم خطوطها الدفاعية وتحويل المدينة إلى نقطة ارتكاز دائمة على الساحل. ويعد هذا السيناريو الأخطر على المدى المتوسط لأنه يحول المكسب العسكري السريع إلى تغيير مستقر في الخارطة.
السيناريو الثاني: استمرار التمدد جنوبًا.
قد تحاول الجماعة استثمار حالة الارتباك ومواصلة الضغط باتجاه المناطق الأقرب إلى باب المندب. وفي هذه الحالة سترتفع احتمالات التدخل الإقليمي والدولي بصورة أكبر كلما اقتربت المواجهات من المضيق.
السيناريو الثالث: هجوم معاكس.
تنجح القوات المسلحة في إعادة تنظيم انتشارها وحشد قواتها ووقف الاندفاعة الحوثية، قبل الانتقال إلى محاولة استعادة المواقع المفقودة. ويتوقف نجاح هذا السيناريو على سرعة إعادة بناء القيادة والسيطرة وتوفير الإسناد والغطاء السياسي والإقليمي اللازم.
مرحلة جديدة من الحرب
تشير مجمل المعطيات إلى أن السيطرة على المخا دشنت مرحلة مختلفة في الحرب اليمنية، بصرف النظر عن المدة التي ستبقى فيها المدينة تحت سيطرة الحوثيين.
فالحدث كشف هشاشة بعض الترتيبات العسكرية القائمة، وأعاد في الوقت نفسه ربط الحرب اليمنية بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر.
وسيكون العامل الحاسم خلال الأيام والأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت ميليشيا الحوثي ستتمكن من تثبيت مكاسبها وتحويل المخا إلى قاعدة متقدمة، أم أن القوات المسلحة ستنجح في إعادة تنظيم خطوطها واحتواء الاختراق.
وعلى المستوى الدولي، سيتوقف حجم التحول في المواقف على طبيعة الخطوات الحوثية التالية. فكلما ارتبط وجود الجماعة في المخا بتهديد فعلي للملاحة، زادت احتمالات انتقال الملف من التعامل معه باعتباره تطورًا في الحرب اليمنية إلى اعتباره تهديدًا للأمن البحري الدولي.
وبذلك، فإن المعركة التي بدأت على الساحل اليمني لم تعد نتائجها محصورة في خريطة السيطرة المحلية؛ إذ أصبحت المخا نقطة التقاء بين الحرب اليمنية والصراع الإقليمي وأمن السعودية ومصالح مصر وحركة قناة السويس والسياسة الإيرانية والمصالح الأمريكية والأوروبية وأمن التجارة العالمية.
ومن هذه الزاوية، فإن ما سيحدث بعد السيطرة على المخا قد يكون أكثر أهمية من السيطرة عليها نفسها.
المصدر:
عدن الغد