فالرياض، التي عرقلت مسارات التفاهم بينها وبين صنعاء بشأن رفع القيود الاقتصادية ومعالجة آثار الحرب ودفع التعويضات ووقف التدخل في الملف اليمني، عادت إلى الرهان على أدوات التصعيد نفسها، من دعم القوى المناوئة لصنعاء إلى تجدد الغارات العدوانية ادت الى سقوط شهداء وجرحى اخرها استهداف إصلاحية في محافظة الجوف.
لكن التصعيد هذه المرة لم يبق داخل الحدود اليمنية. فقد جاء الرد من صنعاء واسعًا ومركبًا، واستمر نحو ثلاث ساعات، مستخدمًا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في موجات استهدفت مواقع متفرقة في العمق السعودي، من منشآت أرامكو ومرافق الطاقة إلى القواعد الجوية والمطارات والمنشآت العسكرية.
حيث أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية وصفتها بـ«النوعية والواسعة»، وقال المتحدث العسكري العميد يحيى سريع إن الهجمات استهدفت منشآت تابعة لأرامكو في أبها ونجران وجازان، إضافة إلى مواقع اقتصادية وعسكرية وقاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط.
وقوع الهجمات على قطاع الطاقة لم يعد محل إنكار، بعدما أقرت وزارة الطاقة السعودية بتعرض عدد من منشآت ومرافق القطاع في المنطقة الجنوبية للاستهداف، وباندلاع حرائق وتعليق بعض العمليات بصورة مؤقتة.
هنا تكمن المشكلة الأثقل بالنسبة للرياض بعودة منشآت الطاقة السعودية إلى دائرة الخطر في اللحظة التي تحاول فيها المملكة تقديم نفسها للعالم باعتبارها بيئة مستقرة للاستثمار ومحورًا للطاقة والسياحة والخدمات والتمويل. وكل حادث أمني يطال منشأة نفطية يعيد فتح الأسئلة التي حاولت الرياض إغلاقها خلال سنوات التهدئة: هل يمكن حماية البنية الاقتصادية الحساسة بصورة كاملة؟ وما كلفة إبقاء المنشآت والموانئ والمطارات والقواعد في حالة تأهب دائمة إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف متكررة؟
وتزيد جازان حساسية المشهد. فالمنطقة لا تضم منشآت هامشية، بل بنية نفطية وصناعية رئيسية، من بينها مصفاة كبيرة على ساحل البحر الأحمر. وأظهرت صور فضائية وتقارير دولية تصاعد الدخان في محيط منشآت طاقة جنوب المملكة بعد الهجمات.
ويكتمل الضغط مع الجبهة البحرية، حيث تفرض صنعاء منذ 20 يوليو/تموز 2026 حظرًا بحريًا على الملاحة السعودية تحت معادلة «الحصار مقابل الحصار»، في وقت وجدت فيه المملكة نفسها أمام مأزق جغرافي يطال شرياني تجارتها النفطية معًا: مضيق هرمز شرقًا، الذي تحول بفعل الحرب الأميركية الإيرانية إلى ممر شديد الاضطراب، والبحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب غربًا وجنوبًا، حيث تواجه السفن المرتبطة بالسعودية تهديدات يمنية مباشرة. وهكذا لم يعد الخطر محصورًا في منفذ يمكن تعويضه بمنفذ آخر، بل أصبح الضغط متزامنًا على المسارين الرئيسيين اللذين يعتمد عليهما النفط السعودي للوصول إلى الأسواق العالمية.
في الشرق، لم يعد هرمز يعمل بالشكل الذي اعتادت عليه دول الخليج. فقد أظهرت بيانات Kpler التي نقلتها رويترز في 4 سبتمبر/أيلول مرور أربع سفن سلع فقط عبر المضيق في يوم واحد، مقابل متوسط لعشرة أيام بلغ نحو 15 سفينة يوميًا، في حين كان نحو 125 سفينة تجارية تعبره يوميًا قبل اندلاع الحرب. كما تراوحت صادرات النفط المرصودة عبره خلال فترات من الأزمة بين نحو 4 و6 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بمستويات أعلى كثيرًا قبل الحرب. وفي تقدير آخر نقلته رويترز، هبطت التدفقات النفطية عبر هرمز من نحو 18 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة إلى قرابة مليوني برميل يوميًا في أشد مراحل الاختناق.
هذا الاضطراب دفع أرامكو إلى زيادة الاعتماد على خط الأنابيب شرق–غرب ونقل كميات أكبر من الخام إلى ينبع على البحر الأحمر. ونتيجة لذلك ارتفعت صادرات الساحل الغربي من نحو 770 ألف برميل يوميًا في يناير/كانون الثاني إلى نحو 4.3 ملايين برميل يوميًا في يونيو/حزيران، ليصبح البحر الأحمر عمليًا صمام الأمان الرئيسي للصادرات السعودية عندما تعثرت حركة هرمز.
غير أن هذا المسار نفسه دخل دائرة الخطر بعد إعلان الحظر اليمني. فقد تراجعت صادرات ينبع إلى نحو 3.7 ملايين برميل يوميًا في يوليو/تموز، ثم إلى قرابة 2.25 مليون برميل يوميًا في أغسطس/آب، بانخفاض يقارب 2.05 مليون برميل يوميًا، أي نحو 48% مقارنة بمستوى يونيو. وبذلك أصبح المنفذ الذي لجأت إليه المملكة لتعويض اضطراب هرمز يواجه بدوره بيئة أمنية أكثر خطورة.
ويظهر حجم الضغوط بصورة أوضح عند النظر إلى إجمالي الصادرات السعودية. فقد أظهرت بيانات تتبع الناقلات التي جمعتها بلومبيرغ ومؤسسات مثل Vortexa وKpler هبوط صادرات الخام السعودية المرصودة في أغسطس/آب إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى في بيانات تعود إلى مطلع عام 2017.
أما تحميلات ينبع الأسبوعية، فتظهر اختلافًا ملحوظًا بين تقديرات مؤسسات التتبع. فقد قدرت Vortexa تراجعها من 2.71 مليون إلى 2.38 مليون برميل يوميًا، أي نحو 12%، بينما قدرت Kpler انخفاضها من 4.04 ملايين إلى 1.78 مليون برميل يوميًا، بما يقارب 56%. ويرتبط جانب من هذا التفاوت بصعوبة تتبع عدد متزايد من الناقلات بسبب انقطاع أو إغلاق إشارات نظام التعريف الآلي AIS، ما يجعل تقدير التدفقات الفعلية أكثر تعقيدًا.
ووفق رويترز، شهد نحو 70% من تحميلات الساحل الغربي السعودي رحلات تخللتها حالات إغلاق أو انقطاع لإشارات AIS. وقالت Kpler إن جميع الشحنات التي رصدتها من ينبع منذ 23 يوليو/تموز شهدت انقطاعات في التغطية، فيما سجلت Vortexa أسبوعًا كاملًا من التحميلات دون بث اعتيادي للإشارات. ويعكس انتشار ما يعرف في صناعة الشحن بـ«الرحلات المظلمة» حجم التحول في البيئة الأمنية المحيطة بالملاحة السعودية، إذ أصبحت الناقلات تعمل في ظروف تتطلب تقليل قابلية رصد تحركاتها.
ولم يقتصر الاضطراب على الناقلات السعودية، بل امتد إلى حركة باب المندب نفسها. فقد أظهرت بيانات Kpler انخفاض متوسط العبور إلى نحو 32 سفينة يوميًا بعد إعلان الحظر، مقارنة بنحو 50 سفينة يوميًا قبله، أي بتراجع يقارب 36%. وفي 4 سبتمبر/أيلول سجلت البيانات مرور 22 سفينة فقط خلال يوم واحد، مقابل 31 سفينة في اليوم السابق، بما يعكس استمرار عمل الممر دون مستوياته التجارية المعتادة.
وتغيرت كذلك اتجاهات شحن النفط من ينبع. ففي يونيو/حزيران كانت نحو 81% من التحميلات تتجه جنوبًا عبر باب المندب، قبل أن تنخفض النسبة إلى قرابة 43% في يوليو/تموز، أي بتراجع قدره 38 نقطة مئوية خلال شهر واحد. ودفع ذلك أرامكو والمشترين إلى زيادة استخدام المسار الشمالي عبر مصر وقناة السويس وخط سوميد.
وانعكس هذا التحول على ميناء سيدي كرير المصري، الذي سجل في أحد الأسابيع مستوى قياسيًا بلغ نحو 2.17 مليون برميل يوميًا من الخام والمكثفات، كانت قرابة 90% منها سعودية، وفق بيانات نقلتها رويترز. ولا تمثل هذه الحركة مجرد إعادة توزيع جغرافية للصادرات، بل تكشف اعتمادًا متزايدًا على البنية التحتية المصرية لتعويض المخاطر التي تحيط بالمسار الجنوبي عبر باب المندب.
لكن هذا البديل يظل محدود القدرة. فخط سوميد لا يستطيع استيعاب كامل الصادرات السعودية، كما تخضع قناة السويس لقيود تتعلق بغاطس ناقلات النفط العملاقة، ما قد يفرض عمليات تفريغ أو نقل وإعادة تحميل تزيد الزمن والكلفة والتعقيد اللوجستي. وبالتالي فإن تحويل الصادرات شمالًا لا يلغي المشكلة، بل ينقلها إلى مسار أطول وأكثر كلفة وأقل مرونة.
أما الخيار الآخر فهو الالتفاف حول أفريقيا. وقد رصدت بلومبيرغ ست ناقلات سعودية ابتعدت عن باب المندب واتجهت في رحلات نادرة حول القارة، وهو مسار يضيف آلاف الأميال وأسابيع إلى زمن النقل، ويرفع استهلاك الوقود ويحتجز الناقلة وحمولتها في البحر مدة أطول.
وتوضح تقديرات نقلتها رويترز حجم هذه الكلفة. فالناقلة التي يمكنها الوصول من ينبع إلى تايوان عبر باب المندب في نحو 19 يومًا قد تحتاج إلى نحو 48 يومًا عند استخدام مسار بديل طويل، أي نحو 29 يومًا إضافيًا. كما ترتفع كلفة الوقود من قرابة 1.26 مليون دولار إلى نحو 2.87 مليون دولار للرحلة، بزيادة تقارب 1.61 مليون دولار أو 128%، قبل احتساب رسوم إضافية قد تقارب مليون دولار لعبور قناة السويس. وبذلك يمكن أن يضيف تفادي منطقة التهديد نحو 2.5 مليون دولار أو أكثر إلى كلفة الرحلة الواحدة، حتى من دون تعرض الناقلة لهجوم مباشر.
وقد امتدت آثار الاضطراب إلى المشترين أنفسهم. فوفق تقارير بلومبيرغ، طلبت مصفاتان آسيويتان على الأقل من أرامكو السماح لهما باستلام النفط السعودي من ميناء سيدي كرير بدلًا من ينبع، في ظل الصعوبات التي تواجه بعض الشركات في العثور على سفن مستعدة لتحمل مخاطر البحر الأحمر. وعندما يصبح تغيير ميناء التسليم جزءًا من التفاوض بين المنتج والمشتري، فإن المخاطر الأمنية تكون قد انتقلت من المجال العسكري إلى صميم العملية التجارية.
وفي الوقت نفسه، لا يوفر هرمز متنفسًا مستقرًا. فقد قالت أرامكو إن الحرب الأميركية الإيرانية والاضطرابات المرتبطة بالمضيق أخرجت من السوق العالمية بصورة تراكمية ما يعادل نحو 2.6 مليار برميل من الإمدادات منذ اندلاع الصراع، وهو رقم وصفه الرئيس التنفيذي للشركة بأنه يقارب شهرًا كاملًا من الإنتاج العالمي المعتاد.
ورغم أن الرقم يتعلق بإمدادات السوق العالمية ولا يمثل خسارة سعودية مباشرة، فإنه يكشف حجم الاختناق في المسار الشرقي، ويفسر الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبها البحر الأحمر بالنسبة إلى الرياض.
وهنا تتشكل المعضلة السعودية بوضوح: نقل النفط شرقًا يعني التعامل مع مضيق هرمز المضطرب؛ ونقله غربًا عبر خط شرق–غرب إلى ينبع يضعه أمام مخاطر البحر الأحمر وباب المندب؛ وتحويله شمالًا يفرض الاعتماد على قناة السويس وسوميد بقيودهما وكلفتهما؛ أما تفادي المنطقة بالكامل فيعني الالتفاف حول أفريقيا وتحمل أسابيع إضافية وملايين الدولارات من الكلفة لكل رحلة. وبذلك لم تعد المشكلة مرتبطة بإغلاق ممر واحد، بل بتقلص هامش المناورة بين مجموعة من المسارات، لكل منها مخاطره وقيوده وكلفته الخاصة.
وتزداد خطورة المأزق لأن السعودية لا تستطيع نقل حقولها ولا موانئها. النفط المنتج في الشرق يحتاج إلى ممر، والممر يحتاج إلى ناقلة، والناقلة تحتاج إلى تأمين وطريق وزمن مقبولين. ولذلك فإن السيطرة على الأرض أو التفوق الجوي لا يلغيان حقيقة اقتصادية أبسط: دولة نفطية ضخمة تحتاج إلى بحر مفتوح كي تحول ملايين البراميل اليومية إلى إيرادات فعلية.
أمام هذه المخاطر التي تواجه المملكة، كان يفترض بالرياض أن ترفع يدها عن اليمن، وأن تذهب إلى الخيار الأقل كلفة، غير أنها اختارت التصعيد في لحظة تبدو فيها حاجتها إلى تقليص الجبهات أكبر من أي وقت مضى.
ومن هنا يصبح التصعيد مع صنعاء أكثر خطورة على الرياض. فالسعودية تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكن هذا التفوق لا يمنح منشآتها حصانة مطلقة. الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدة المدى جعلت المصافي والمطارات والقواعد والموانئ جزءًا من دائرة الرد، وأصبح على المملكة أن تدافع عن شبكة واسعة من المنشآت الحيوية على مساحة شاسعة.
وهنا يظهر التناقض في السياسة السعودية بوضوح. فالمملكة تنفق مليارات الدولارات لتقديم نفسها مركزًا للاستثمار والسياحة والخدمات اللوجستية، وتبني جزءًا مهمًا من رؤيتها الاقتصادية على ساحل البحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه تدخل في مسار تصعيد يعيد هذه المنطقة نفسها إلى الحسابات الأمنية.
ولا يمكن فصل الأمرين. المستثمر يبحث عن الاستقرار، وشركة التأمين تقيس احتمالات الخطر، والناقلة تختار الطريق الأقل تعرضًا للتهديد. ولهذا فإن استمرار المواجهة يمكن أن يفرض كلفته حتى من دون وقوع أضرار كبيرة، بمجرد أن تصبح احتمالات التصعيد جزءًا ثابتًا من حسابات السوق.
وتملك السعودية بلا شك احتياطيات مالية وقدرات دفاعية تسمح لها بامتصاص الصدمات، لكن القدرة على تحمل الخسائر لا تعني أن استمرارها بلا ثمن. فكل جولة جديدة تعني إنفاقًا إضافيًا على الدفاع، وتشديدًا للإجراءات الأمنية، وارتفاعًا محتملًا في كلفة النقل والتأمين، وضغطًا أكبر على صورة الاستقرار التي تحتاجها المملكة لجذب رأس المال.
ومع استمرار الغارات العدوانية داخل اليمن، يبقى احتمال الرد قائمًا، وهنا تجد الرياض نفسها أمام سؤال أكثر صعوبة من مجرد حساب عدد الغارات أو الصواريخ: ما الذي يمكن أن تحققه عسكريًا من توسيع التصعيد، وما الذي يمكن أن تخسره إذا أصبحت منشآت أرامكو والمطارات والقواعد والموانئ والناقلات جزءًا من كل جولة جديدة؟
في السابق كان الجزء الأكبر من الكلفة المباشرة يقع داخل اليمن، أما اليوم فقد تقلصت المسافة بين الجبهة والاقتصاد السعودي. أدوات الهجوم بعيدة المدى والتهديدات البحرية باتت قادرة على نقل آثار المواجهة من الميدان.
لهذا يبدو اختيار التصعيد في هذا التوقيت أكثر مجازفة. فالمملكة تواجه أصلًا ضغوطًا على طرق صادراتها، وتحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الاستقرار لحماية مشاريعها واستثماراتها، ومع ذلك اختارت فتح جبهة ستؤدي الى خسائر اقتصادية كبيرة
وكان الخيار الأقل كلفة والأبعد عن المخاطر واضحًا: الاستجابة لشروط صنعاء وتجنّب دفع الموقف نحو مزيد من التصعيد. غير أن الرياض اختارت المسار المعاكس، لتجد نفسها أمام حصار بحري، وضربات جوية وبحرية، وكلفة مفتوحة قد تتجاوز بكثير ما كان يمكن تفاديه منذ البداية.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية