اليوم وبعد ستة أشهر، يبدو أن المشكلة التي تواجه البيت الأبيض لم تعد في كيفية هزيمة إيران عسكرياً بقدر ما أصبحت في كيفية الخروج من حرب لم تحقق الهدف السياسي الذي شُنت من أجله، من دون أن يبدو الخروج اعترافاً بذلك.
هذا تحديداً هو الخيط الأهم في الرواية التي نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال عن الاجتماعات التي سبقت قرار الحرب في 28 فبراير/شباط. فالصحيفة تقول إن ترمب استدعى، قبل أيام من الهجوم، مديرة الاستخبارات الوطنية آنذاك تولسي غابارد وسألها بصورة مباشرة عن فرص نجاح ضربة واسعة، وما إذا كانت قادرة على إسقاط النظام الإيراني. لكن التقدير الاستخباري الذي عُرض عليه لم يكن مشجعاً: قتل المرشد علي خامنئي قد لا يؤدي إلى انهيار النظام، بل ربما يفتح الطريق أمام قيادة أكثر تشدداً وأقل تردداً في السعي إلى امتلاك السلاح النووي، كما أن إيران ستتحرك على الأرجح لإغلاق مضيق هرمز وضرب القوات والمصالح الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
المفارقة أن ما قُدم لترمب باعتباره قائمة بالمخاطر المحتملة تحول، بعد بدء الحرب، إلى ما يشبه جدول وقائعها الفعلي.
استشهد خامنئي، لكن النظام لم يسقط انتقلت القيادة إلى مجتبى خامنئي، وبقي الحرس الثوري ممسكاً بمفاصل الدولة. لم تؤد الضربات إلى استسلام سريع، وأُغلق هرمز وتحول الممر الذي تعبر منه نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية إلى إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية. وحتى بعد اتفاق 17 يونيو/حزيران لإعادة فتح المضيق وبدء مسار تفاوضي مدته 60 يوماً، لم تعد الملاحة إلى وضعها الطبيعي، وبقيت حركة السفن دون مستويات ما قبل الحرب بكثير.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين منطق الحرب ومنطق السياسة. تستطيع الولايات المتحدة تدمير منشآت وقواعد ومنصات صاروخية، لكن تدمير القدرة العسكرية لا يساوي بالضرورة إنتاج السلوك السياسي المطلوب. كان الرهان في واشنطن، وفق رواية وول ستريت جورنال، يقوم على أن الضربة الساحقة ستولد انهياراً متتابعاً: تُشل القدرات العسكرية، تُقتل القيادة العليا، يزداد الضغط الداخلي، ثم تجد طهران نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، الاستسلام أو السقوط. غير أن الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة لم تحدث.
بل إن إيران فعلت ما تفعله عادة الدول التي تواجه خصماً أقوى منها تقليدياً: لم تدخل في منافسة مباشرة على التفوق العسكري، وإنما نقلت جزءاً من المعركة إلى المجالات التي ترتفع فيها كلفة التفوق الأميركي نفسه. أصبح هرمز ساحة حرب، وأصبحت القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة أهدافاً، وأصبح ارتفاع أسعار الطاقة أداة ضغط تصل آثارها إلى المستهلك الأميركي والاقتصاد العالمي، فيما صار طول الحرب عاملاً يعمل لمصلحة الطرف القادر على احتمالها سياسياً، لا لمصلحة الطرف الذي يملك القوة النارية الأكبر فقط ولهذا لا تبدو قصة قرار الحرب، كما تعرضها الصحيفة، قصة صراع بين معلومات صحيحة ومعلومات خاطئة بقدر ما تبدو صراعاً بين تقديرين للقوة المؤسسة الاستخبارية والعسكرية كانت تحذر من أن إيران قادرة على تحويل الحرب إلى أزمة ممتدة، بينما اقتنع ترمب بأن التفوق العسكري يستطيع منع الامتداد أصلاً.
تقول وول ستريت جورنال إن وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان دان كين وقائد القيادة المركزية براد كوبر قدموا للرئيس خيارات لضرب منصات الصواريخ والرادارات ومصانع السلاح ومخازن الألغام والسفن الحربية، ضمن تصور يقوم على إحداث شلل واسع في القدرات الإيرانية، بالتوازي مع استهداف إسرائيل كبار المسؤولين الإيرانيين.
وكان بنيامين نتنياهو حاضراً في خلفية ذلك الرهان. فقد رأى أن إيران بلغت لحظة ضعف تاريخية تتيح ضربها بصورة قد لا تتكرر، بينما كان نائب الرئيس جيه دي فانس، وفق الصحيفة، أكثر حذراً، ويدفع باتجاه استنفاد المسار التفاوضي أولاً، ليس حباً بالدبلوماسية بقدر ما هو إدراك بأن الحرب التي يمكن بدءها خلال ساعات لا توجد ضمانة لإنهائها ضمن الجدول نفسه.
اختار ترمب القراءة الأولى. وربما عزز ذلك نجاح عمليات عسكرية سابقة أعطت الإدارة انطباعاً بأن القوة يمكن استخدامها بصورة خاطفة ثم تحويل نتائجها إلى مكسب سياسي. لكن إيران لم تكن هدفاً يمكن عزله عن محيطه الجغرافي أو الاقتصادي. فهي تقع على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وتمتلك ترسانة صاروخية وشبكة واسعة من أدوات الرد، وتقابلها في الضفة الأخرى من الخليج قواعد ومصالح وحلفاء للولايات المتحدة. لذلك كان لكل ضربة أميركية احتمال ارتداد لا على إيران وحدها بل على بنية الوجود الأميركي نفسها في المنطقة.
في الأيام الأولى للحرب، بدا أن واشنطن تعيش نشوة الانتصار السريع. وتنقل وول ستريت جورنال أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف والمبعوث ستيف ويتكوف أبلغا ترمب، خلال حفل في مارالاغو، بمقتل خامنئي، وأن الرئيس طلب إعلان الخبر أمام الحاضرين وسط التصفيق. لكن تلك اللحظة ربما تلخص سوء الفهم الذي أحاط بالحرب كلها: فقد عومل مقتل رأس النظام كما لو كان مرادفاً لانهيار النظام، بينما أثبتت الأشهر التالية أن إزالة شخص من قمة الهرم لا تعني إزالة الهرم نفسه.
بعد ذلك بدأ الحساب يتغير. الجنود الأميركيون يسقطون بين قتيل وجريح، والقواعد تتعرض للأضرار، والذخائر تُستهلك، ومخزونات الطاقة تتراجع، بينما يظل الخصم الذي كان يفترض أن ينكسر قائماً. ووفق الأرقام التي نقلتها الصحيفة، قُتل نحو ثلاثة آلاف إيراني و18 عسكرياً أميركياً في عمليات مرتبطة بالحرب، وأصيب مئات الجنود الأميركيين. وفي الوقت نفسه تحولت أزمة هرمز إلى مشكلة عالمية يصعب فصلها عن الاقتصاد الأميركي نفسه. وتصف رويترز الحرب، بعد ستة أشهر، بأنها وصلت إلى نوع من "حرب خنادق في مجال الطاقة"، مع استمرار الجمود وارتفاع كلفة المواجهة على الطرفين.
وهنا بدأ قرار الهدنة ينضج من البيئة نفسها التي أنتجت قرار الحرب، ولكن في الاتجاه المعاكس. إذا كان الهجوم قد انطلق من الاعتقاد بأن إيران ستتراجع سريعاً، فإن البحث عن وقف النار جاء عندما أصبح واضحاً أن الزمن لا يعمل بالضرورة لمصلحة واشنطن. قادة خليجيون كانوا يضغطون باتجاه التسوية خشية اتساع الحرب، وجمهوريون كانوا يحذرون ترمب من انعكاساتها على انتخابات التجديد النصفي، والأسواق كانت ترسل إشاراتها عبر أسعار الطاقة، فيما كانت استطلاعات الرأي تضيف ضغطاً داخلياً مباشراً.
وتورد وول ستريت جورنال تفصيلاً بالغ الدلالة: عندما سأل مقربون ترمب لماذا قبل اتفاقاً مؤقتاً في يونيو/حزيران، أشار إلى استطلاع داخلي للبيت الأبيض أظهر أن نحو 80% من الأميركيين يريدون اتفاقاً ينهي الحرب بصرف النظر عن تفاصيله وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تكشف أن الانتقال من الحرب إلى الهدنة لم يكن نتيجة تغير جوهري في الملف النووي الإيراني، وإنما نتيجة تغير ميزان الكلفة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
في 17 يونيو/حزيران وُقعت مذكرة تفاهم هدفت إلى تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح هرمز وإطلاق مفاوضات تستمر ستين يوماً. لكنها لم تتحول إلى تسوية نهائية، ومع انتهاء المهلة في أغسطس/آب بقيت القضايا المركزية عالقة، فيما عادت المواجهات والاتهامات المتبادلة حول الملاحة في المضيق.
ولذلك أصبح ترمب أمام معضلة يصعب حلها بالقوة نفسها التي أنتجتها. إذا استأنف حرباً شاملة فقد يعمق مأزقاً يريد الخروج منه، وإذا قبل بتسوية لا تتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني فقد يصعب تقديمها بوصفها تحقيقاً للأهداف التي أعلنها عند بدء الحرب. ومن هنا يمكن فهم التبدل في تعريف "النصر": من إسقاط النظام وتفكيك برنامجه النووي، إلى إعادة فتح هرمز، ثم إلى الضغط الاقتصادي الذي يُفترض أن يحقق لاحقاً ما لم تحققه الضربات.
البيت الأبيض لا يقدم الأمر بهذه الصورة بالطبع. ففي 24 أغسطس/آب أعلن رسمياً "عملية العزل الاقتصادي"، وقدمها باعتبارها انتقالاً إلى مرحلة حاسمة تستهدف قطع ما تبقى من الروابط الاقتصادية الإيرانية، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية إلى قطاعات الشحن والذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية والطيران. وتقول الإدارة إن القدرات العسكرية والنووية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، وإن الضغط الاقتصادي سيجبر طهران في النهاية على القبول بالشروط الأميركية.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها الخاص. فإذا كانت إيران قد وصلت بالفعل إلى حافة الهزيمة العسكرية، فلماذا تحتاج واشنطن إلى أكبر حملة عزل اقتصادي بعد ستة أشهر من الحرب؟ وإذا كانت العقوبات قادرة وحدها على انتزاع الاستسلام، فلماذا كانت الحرب ضرورية أصلاً؟ ثم إن التجربة الطويلة للعقوبات الأميركية على إيران تُظهر أن إضعاف الاقتصاد ليس مرادفاً تلقائياً لتغيير القرار السياسي. حتى مع تفاقم الضغوط الحالية ونقص الوقود وتراجع القدرة الشرائية، لا تظهر القيادة الإيرانية حتى الآن مؤشرات واضحة على الاستسلام.
الأكثر أهمية أن واشنطن لا تعاقب إيران وحدها حين توسع هذا النوع من الضغط؛ فهي تطلب عملياً من بقية العالم أن يختار بين التجارة مع إيران والوصول إلى النظام المالي الأميركي. وبذلك تتحول الحرب من مواجهة أميركية إيرانية إلى اختبار أوسع لمدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل مركزية الدولار والأسواق الأميركية إلى امتداد للمعركة العسكرية.
اليوم وبعد ستة أشهر، تبدو المسافة كبيرة بين السؤال الذي طرحه ترمب قبل الحرب والسؤال الذي يواجهه اليوم. في فبراير/شباط كان يسأل: هل تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربة تسقط النظام الإيراني؟ أما في أغسطس/آب، فأصبح السؤال الأقرب إلى الواقع: ما الحد الأدنى من النتائج الذي يمكن تقديمه للرأي العام الأميركي بوصفه نصراً يسمح بإنهاء هذه الحرب؟
وهنا تكمن المفارقة الأشد قسوة في التجربة كلها. الحرب التي بدأتها واشنطن اعتقاداً منها بأن إيران بلغت أضعف لحظاتها تحولت إلى اختبار لحدود القوة الأميركية ذاتها. لم تثبت طهران أنها أقوى عسكرياً من الولايات المتحدة، فهذا ادعاء لا تسنده موازين القوة، لكنها أثبتت حتى الآن شيئاً مختلفاً وأكثر أهمية سياسياً: أن امتلاك القدرة على تدمير خصم لا يعني امتلاك القدرة على إجباره على إنتاج النتيجة السياسية التي تريدها.
ولذلك يبدو أن ترمب اتخذ قرار الحرب عندما اعتقد أن القوة ستختصر الزمن، واتخذ قرار الهدنة عندما اكتشف أن الزمن بدأ يضاعف كلفة القوة. أما انتقاله اليوم من القاذفات والصواريخ إلى الحصار والعقوبات، فلا يبدو نهاية الحرب بقدر ما يبدو انتقالاً إلى فصل آخر منها؛ فصل تحاول فيه واشنطن أن تنتزع بالأدوات الاقتصادية النتيجة التي عجزت القوة العسكرية عن فرضها سريعاً، بينما تراهن إيران في المقابل على أن قدرتها على الصمود وتهديد استقرار سوق الطاقة ستجعلان ثمن استمرار الضغط على واشنطن وحلفائها مرتفعاً بما يكفي لإعادة السياسة إلى الطاولة.
وبين الرهانين، تبقى حقيقة واحدة يصعب على خطاب الانتصار في واشنطن تجاوزها: لقد بدأت الحرب بوعد أن تكون قصيرة وحاسمة، وبعد نصف عام ما تزال الولايات المتحدة تبحث عن تعريف النهاية التي يمكن أن تسميها نصراً.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية