هذه هي المعضلة التي بدأت تتشكل حول الرياض. فإذا استمرت صنعاء في الضغط على الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، واستمرت الاضطرابات في هرمز، فإن المملكة تصبح محاصرة جغرافياً بين أهم منفذين بحريين لنفطها، وهو وضع يجعل إخراج البرميل أكثر صعوبة وكلفة في كل مرة.
المفارقة أن إحدى أهم الأوراق التي بنت عليها السعودية أمن صادراتها النفطية أصبحت جزءاً من المشكلة. طوال سنوات، كان خط (الشرق–الغرب) وميناء ينبع يمثلان البديل الطبيعي إذا تعطل هرمز: ينقل الخام من الحقول الشرقية إلى البحر الأحمر ثم يخرج إلى الأسواق بعيداً عن الخليج. لكن الحظر الذي أعلنته صنعاء على الملاحة السعودية في 20 يوليو جعل الطرف الآخر من هذه الخطة عرضة للضغط أيضاً.
بمعنى أبسط، السعودية بنت طريقاً لتجاوز هرمز، ثم وجدت نفسها تبحث عن طريق لتجاوز الطريق الذي يتجاوز هرمز.
في هذا السياق، كشفت وكالة بلومبيرغ صورة شديدة الدلالة على هذا المأزق؛ حيث قالت إن ناقلات سعودية فارغة تقطع آلاف الأميال حول أفريقيا حتى تصل إلى مناطق التحميل، بينما يتحرك النفط السعودي نفسه في الاتجاه المعاكس شمالاً عبر البحر الأحمر باتجاه مصر.
كما رصدت الوكالة ارتفاع تدفقات الخام عبر المسار الشمالي للبحر الأحمر إلى نحو 1.1 مليون برميل يومياً، مع تشغيل ناقلات بصورة متكررة بين ينبع والعين السخنة قبل نقل النفط عبر مصر إلى البحر المتوسط.
وهذه ليست حركة طبيعية لتجارة النفط؛ ففي الظروف العادية تتحرك السفينة في أقصر طريق بين المنتج والمستهلك. أما حين تبدأ الناقلات بالدوران حول قارة كاملة بينما يُنقل الخام على مراحل في الاتجاه الآخر، فذلك يعني أن اعتبارات الأمن تجاوزت اعتبارات الكفاءة. وكل مرحلة إضافية لها ثمن.
الخام يصل إلى ينبع، ثم يُحمل شمالاً إلى مصر، ثم يُنقل عبر البنية التحتية المصرية إلى المتوسط، ومن هناك يبدأ جزء منه رحلة جديدة. وإذا كان المشتري في آسيا، فإن تجنب باب المندب يعني الدوران مرة أخرى حول أفريقيا.
وهنا تبدأ المشكلة في تجاوز أرامكو لتصل إلى العميل نفسه.
فالعميل الآسيوي لا يشتري «برميلاً سعودياً»، وإنما يشتري برميلاً له كلفة نهائية عند وصوله إلى المصفاة. وكلما طال المسار، ارتفعت أجور الناقلة والوقود والتأمين، وانخفضت كفاءة استخدام السفن، وأصبح الخام القادم من مناطق أخرى أكثر قدرة على المنافسة.
ولهذا فإن اعتراض بعض المصافي الآسيوية على الاستلام من ينبع يمثل علامة على أن الضغط العسكري والبحري الذي تفرضه اليمن على المملكة بدأ ينتقل إلى المستوى التجاري. وإذا أصبح المشتري هو من يطلب تغيير نقطة التسليم، فهذا يعني أن الخطر أصبح جزءاً من قرار شراء النفط السعودي نفسه.
والأهم أن المشكلة لا توجد في البحر الأحمر وحده.
أحدث بيانات "كبلر" التي نقلتها رويترز في 21 أغسطس أظهرت عبور سبع سفن سلعية فقط لمضيق هرمز في يوم واحد، من دون أي ناقلة نفط عملاقة، بينما مر عبر باب المندب 23 مركباً ولم تعبره أي ناقلة (VLCC) أيضاً.
أي أن الطريقين اللذين تعتمد عليهما السعودية للوصول إلى الأسواق كانا في الوقت نفسه يعملان بأقل كثيراً من الحركة الطبيعية لناقلات الخام الكبرى. وهنا تحديداً تظهر الورطة السعودية.
إذا خرج النفط من موانئ الخليج، فهرمز في الطريق. وإذا نُقل إلى ينبع لتجنب هرمز، فباب المندب في الطريق. وإذا أُريد تجنب باب المندب أيضاً، فلا بد من الاتجاه شمالاً إلى مصر ثم الالتفاف حول أفريقيا. وإذا جرى تسليم النفط خارج هرمز، فذلك يحتاج إلى ناقلات وسيطة وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى.
ولهذا فإن إعلان صنعاء في 20 أغسطس استهداف منشأة لأرامكو في نجران وموقع في المطار، يحمل دلالة تتجاوز نتيجة الضربة نفسها. استمرار القدرة على تهديد المنشآت داخل المملكة، بالتزامن مع الضغط على البحر الأحمر، يعني أن الرياض مطالبة بحساب كلفة الخطر في البر والبحر معاً.
صحيفة "فايننشال تايمز" التقطت البعد السياسي لهذه الأزمة بوضوح في تقريرها المنشور في 21 أغسطس. الصحيفة تحدثت عن تصعيد يمني يضع السعودية أمام معضلة صعبة: التفاوض، أو الانجرار مرة أخرى إلى مواجهة عسكرية واسعة تحمل معها سجل الحرب السابقة وكلفتها وفشلها في حسم الملف اليمني.
وهذا يجعل المسألة أكبر من ناقلة نفط أو ميناء؛ فالسعودية أمضت السنوات الماضية في محاولة الخروج من الحرب اليمنية والتركيز على مشاريعها الاقتصادية الداخلية. أما العودة إلى حرب مفتوحة فتعني فتح جبهة عسكرية ومالية جديدة في الوقت الذي تحتاج فيه الرياض إلى استقرار إقليمي طويل لتمويل مشاريعها وجذب الاستثمارات. وفي المقابل، فإن قبول شروط صنعاء أو تقديم تنازلات كبيرة لها يحمل ثمناً سياسياً واستراتيجياً واضحاً.
وهكذا تضيق مساحة القرار؛ فإذا اختارت الرياض تجاهل الضغط وتحمُّل الحظر والتهديدات، تدفع الكلفة في النقل والتأمين وإعادة توجيه الشحنات وتراجع كفاءة طريق ينبع. وإذا ذهبت إلى تصعيد عسكري واسع، فإنها تدخل حرباً جديدة لا توجد ضمانة بأنها ستفتح باب المندب أو تنهي القدرة اليمنية على مهاجمة منشآتها.
وإذا ذهبت إلى التفاوض، فإنها ستجلس أمام صنعاء في لحظة تمتلك فيها الأخيرة ورقة ضغط أقوى مما كانت تمتلكه خلال سنوات التهدئة. لهذا فإن توصيف المعضلة على أنها مجرد «أزمة شحن» يقلل من حجمها.
النفط هو مركز الثقل في الاقتصاد السعودي، وليس قطاعاً جانبياً يمكن تحمل اضطرابه لفترة طويلة. وكل زيادة مستمرة في كلفة تصديره تعني أن جزءاً من العائد الذي تحققه الأسعار المرتفعة يتسرب إلى أجور السفن والتأمين والمناولة والمسارات الأطول.
قد توفر قفزة أسعار النفط للرياض غطاءً مالياً مؤقتاً يخفي جانباً من الخسائر، لكنها لا تلغي حقيقة أن السعودية باتت تدفع أكثر فقط لكي تُبقي نفطها في حالة حركة. فبرنت فوق 94 دولاراً، وصعود سهم «البحري»، وتحسن بعض أرقام التصدير، قد تبدو مؤشرات مريحة على السطح، لكنها لا تعكس الثمن المتراكم خلف كل شحنة: رحلات أطول، ناقلات أكثر كلفة، تأمين أعلى، ومسارات بديلة تلتهم جزءاً متزايداً من قيمة البرميل؛ إذ إن المشكلة تكمن في مقدار ما تضطر الرياض إلى إنفاقه للحفاظ على قدرة كانت تُعد حتى وقت قريب من أبسط عناصر قوتها النفطية: إيصال الخام إلى العميل عبر طريق آمن وقصير.
كما أن الاستنزاف لا يظهر بالضرورة في انهيار الصادرات خلال يوم واحد. يبدأ عادةً بطريقة أقل دراماتيكية: رحلة أطول هنا، علاوة تأمين أعلى هناك، ناقلة ترفض المسار، مصفاة تطلب نقطة تسليم مختلفة، براميل تُحوَّل إلى سوق أقرب، وسفن تبقى مشغولة أسابيع إضافية.. ثم تتحول هذه الاستثناءات إلى نمط، وهذا ما يجعل التطورات الحالية خطرة على الرياض إذا استمرت.
"بلومبيرغ" تحدثت عن منظومة تصدير سعودية يجري تفكيك مساراتها التقليدية وإعادة تركيبها فقط كي يستمر النفط في الوصول إلى السوق. وهذه هي النقطة الأكثر إحراجاً للرياض؛ لأن استمرار التدفق نفسه أصبح يحتاج إلى ناقلات تدور حول أفريقيا، ونقاط تحميل بديلة، وعمليات نقل إضافية، وكلفة أعلى للحفاظ على مستوى من الحركة كان يتم سابقاً عبر طرق أقصر وأكثر استقراراً.
أما العودة الجزئية إلى التحميل من داخل هرمز فلا تبدو مخرجاً يمكن التعويل عليه. رويترز ذكرت في 23 أغسطس أن أرامكو استأنفت بعض عمليات التحميل داخل المضيق، لكن استمرار ضعف حركة الناقلات الكبرى يعني أن الرياض لم تستعد طريقها الشرقي الطبيعي، وإنما عادت إلى استخدامه بحذر وفي بيئة ما تزال شديدة الاضطراب. وبذلك لا يمثل هرمز بديلاً مستقراً عن البحر الأحمر بقدر ما يمثل مساراً آخر محاطاً بالمخاطر.
وهنا تتضح صعوبة الموقف السعودي؛ فالتراجع عن البحر الأحمر لا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه في الخليج، والعودة إلى الخليج لا تلغي مشكلة هرمز، فيما الالتفاف حول أفريقيا يحول الجغرافيا إلى فاتورة مالية متكررة. السعودية، بهذا المعنى، تنتقل بين مسارات لكل واحد منها كلفته ومخاطره واختناقاته.
هذه تحديداً هي الورقة التي باتت صنعاء تحاول استثمارها. ويكفي أن تجعل وصول النفط أكثر صعوبة، وأن تدفع شركات الشحن إلى التردد، وشركات التأمين إلى رفع الأسعار، والمشترين إلى مراجعة نقاط الاستلام، حتى تتحول كل شحنة إلى عملية أكثر تعقيداً وكلفة مما كانت عليه قبل التصعيد.
وبهذه المعادلة يصبح الضغط أكثر إنهاكاً من مجرد ضربة عسكرية منفردة. فالضربة تنتهي، أما ارتفاع أجور النقل والتأمين، وإطالة زمن الرحلات، وإعادة توزيع الناقلات، واضطرار أرامكو إلى بناء مسارات بديلة لمسارات بديلة، فهي كلفة تتجدد مع كل شحنة.
والخيار العسكري لا يمنح الرياض بالضرورة طريقاً رخيصاً للخروج من المأزق. العودة إلى مواجهة واسعة مع صنعاء تعني هي الأخرى فتح فاتورة مالية وأمنية جديدة، مع احتمال تعرض مزيد من منشآت الطاقة والموانئ والملاحة للخطر. أي أن التصعيد، بدلاً من إزالة الكلفة، قد يوسع نطاقها.
ومن هنا تضيق الخيارات أمام السعودية إلى معادلة شديدة القسوة: إما الوصول إلى تفاهم مع صنعاء قد يفرض عليها تقديم تنازلات والاستجابة للمطالب المطروحة، وإما إبقاء اقتصادها النفطي داخل دائرة استنزاف لوجستي وأمني مستمر؛ ناقلات تقطع آلاف الأميال الإضافية، تأمين أغلى، سفن أقل استعداداً للمخاطرة، ومشترون يعيدون حساب الجدوى الاقتصادية للخام السعودي.
في النهاية، تكشف الأزمة أن الرياض لم تعد تتحكم في كلفة تصدير نفطها كما كانت من قبل. فالممرات التي كانت تمنحها حرية الحركة تحولت إلى نقاط ضغط، والبدائل التي تلجأ إليها لا تعالج المشكلة بقدر ما تنقلها من مضيق إلى آخر، ومن ميناء إلى آخر.
وإذا استمر هذا الوضع، فإن السعودية ستجد نفسها أمام معادلة تزداد قسوة مع الوقت: الحفاظ على تدفق النفط عبر شبكة مكلفة ومعقدة تستنزف جزءاً متزايداً من عائداته، أو الذهاب إلى تسوية مع صنعاء تخفف الضغط.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية