المشكلة الأساسية أن جزءاً مهماً من النفط السعودي يمر عبر منشآت وموانئ تقع على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ينبع. وعندما تصبح الناقلات مترددة في دخول هذا الممر، تضطر السعودية إلى البحث عن طرق أخرى لإيصال شحناتها إلى المشترين. وهذا يعني أن النفط نفسه لا يتوقف عن الإنتاج، لكن عملية نقله تصبح أطول وأكثر تعقيداً وكلفة. وهنا تظهر أهمية الضغط على قطاع النقل، لأن أي زيادة في زمن الرحلة أو تكلفة التأمين والوقود تنعكس في النهاية على قدرة المنتج السعودي على المنافسة.
وتشير المعلومات التي أوردتها بلومبرغ إلى أن بعض الناقلات أصبحت تسلك مسارات بديلة عبر قناة السويس والبحر المتوسط، فيما تتجه السعودية إلى خيارات أخرى في الخليج، بينها تسليم النفط للعملاء الصينيين من مواقع خارج مضيق هرمز. كما تظهر بيانات تتبع السفن وجود تجمعات لناقلات سعودية في خليج عُمان، مع عمليات نقل بين السفن. هذه الإجراءات تكشف أن الرياض لا تبحث عن طريق واحد بديل، بل تحاول بناء شبكة من الخيارات لتجنب الاعتماد الكامل على طريق بحري أصبح أكثر خطورة.
الأهم هنا أن البدائل ليست مجانية. الالتفاف حول أفريقيا يضيف أسابيع إلى الرحلة، ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، كما يزيد الحاجة إلى الناقلات ويطيل فترة بقاء الشحنات في البحر. وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة النقل لا يضرب السعودية وحدها، بل يصل أيضاً إلى المشترين الآسيويين، خصوصاً الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات النفط. وهذا قد يدفع المشترين إلى إعادة حساباتهم بشأن مصادر الإمداد ومسارات النقل، وهو ما يمنح أزمة البحر الأحمر بعداً اقتصادياً يتجاوز حدود المنطقة.
أما استخدام خط أنابيب سوميد المصري، فيوفر منفذاً مهماً لنقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، لكنه لا يستطيع ببساطة تعويض كل ما يمكن أن يتعطل في مسار ينبع. فالمشكلة ليست فقط في وجود أنبوب قادر على نقل النفط، وإنما في إعادة ترتيب سلسلة كاملة تشمل الموانئ والناقلات ومواعيد التسليم والأسواق النهائية. وكلما زادت حلقات هذه السلسلة، زادت احتمالات التأخير والتكلفة.
وتكشف هذه التطورات نقطة أكثر أهمية: قوة أرامكو لا تقاس فقط بحجم احتياطيات السعودية أو قدرتها الإنتاجية، وإنما أيضاً بقدرتها على إيصال النفط إلى المشتري في الوقت والتكلفة المناسبين. فإذا أصبح الوصول إلى الأسواق أكثر صعوبة، فإن جزءاً من الميزة التي تتمتع بها السعودية يتعرض للضغط. وهذا تحديداً ما يجعل اضطراب الملاحة في البحر الأحمر مسألة استراتيجية بالنسبة للرياض، وليس مجرد مشكلة تخص شركات الشحن.
كما أن تعدد الخيارات السعودية يعكس محاولة لتقليل أثر ما يمكن تسميته "نقاط الاختناق". فبدلاً من الاعتماد على طريق واحد، تسعى الرياض إلى توزيع عملياتها بين البحر الأحمر، والموانئ المصرية، والخليج، وخليج عُمان. لكن هذا التنويع نفسه يحمل كلفة كبيرة، لأنه يتطلب إعادة تنظيم عمليات التصدير وإدارة الناقلات والتنسيق مع دول وموانئ أخرى.
في المقابل، يكشف الوضع عن تحول مهم في طبيعة التأثير اليمني على السعودية. فحتى من دون تعطيل شامل لصادرات النفط، يكفي دفع شركات النقل إلى تجنب منطقة معينة حتى تبدأ آثار غير مباشرة بالظهور في شكل زيادة في زمن الرحلات والتكاليف وإعادة ترتيب مسارات التصدير. وهذه النقطة أكثر أهمية من مجرد عدد السفن التي يتم استهدافها، لأن التأثير الحقيقي يمكن أن ينتج عن تغيير سلوك شركات الملاحة نفسها.
لذلك فإن مأزق أرامكو اللوجستي قد يصبح أكثر حساسية إذا استمر لفترة طويلة. فالسعودية تستطيع تحمل تكلفة إضافية لفترة، وتمتلك بدائل وخيارات لا تتوفر لكثير من الدول الأخرى. لكن استمرار هذه الكلفة يعني استنزافاً تدريجياً للميزة اللوجستية التي اعتمدت عليها صادراتها النفطية لعقود.
الخلاصة أن ما يحدث يعني أن الطريق أصبح أكثر تعقيداً وكلفة. وهذه هي المشكلة الحقيقية. فالضغط لا يحتاج بالضرورة إلى إيقاف النفط السعودي، بل يكفي أن يجعل نقله أصعب وأغلى وأكثر مخاطرة. وفي سوق عالمي شديد الحساسية للتكلفة والوقت، يمكن لمثل هذا الضغط أن يتحول من مشكلة بحرية إلى عامل اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية