ولم تتأخر الأصداء الاقتصادية للقرار الملاحي الحاسم في الوصول إلى كبرى مراكز المال والتأمين العالمية؛ إذ أفادت تقارير ووكالات أنباء دولية، وفي مقدمتها وكالة "رويترز" وموقع "إنشورنس جورنال"، بقفزات غير مسبوقة في أقساط التأمين ضد أخطار الحرب على الناقلات والسفن السعودية.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن "لجنة الحرب المشتركة" في سوق "لويدز" للتأمين البحري بالعاصمة البريطانية لندن، تم توسيع نطاق "مناطق المخاطر العالية" لتشمل الموانئ والسواحل الجنوبية التابعة للسعودية.
وعلى وقع تقييمات شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري، والتي أكدت وجود تهديدات عالية وشديدة الخطورة تطال أي قطعة بحرية ترفع العلم السعودي أو تدار لصالح الشركات السعودية، تضاعفت كلفة أقساط التأمين للمرة الأولى لتصل إلى مستويات تراوحت بين 1% و3% من القيمة الإجمالية لهيكل السفن، وهذا الارتفاع الباهظ أضاف مئات الآلاف من الدولارات على كلفة كل رحلة، مما دفع العديد من الشركات الدولية للتحفظ على نقل الشحنات النفطية والتجارية السعودية، أو المطالبة بتغطيات إضافية تضاعف من الأعباء المادية على اقتصاد الرياض، لا سيما الشحنات المغادرة عبر ينبع والموانئ الجنوبية المتاخمة لخطوط الملاحة القريبة من المياه الإقليمية اليمنية.
هذه التحولات الميدانية في البحر الأحمر لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت كانعكاس طبيعي لسلسلة متراكمة من المعاناة الإنسانية والسياسات العقابية التي فرضتها السعودية والأطراف الموالية لها على ملايين اليمنيين لقرابة عقد من الزمن، حيث تحول الحصار الشامل المفروض على مناطق سيطرة حكومة صنعاء إلى سلوك ممنهج شمل الإغلاق المتمادي لمطار صنعاء الدولي، وتعطيل منافذ البلاد البرية، واستمرار القيود والتعقيدات الحادة أمام شحنات الواردات، بما فيها المواد الغذائية والمشتقات النفطية عبر موانئ الحديدة.
ولم تقف آثار الحرب التي قادتها الرياض عند حدود القيود المباشرة على حركة البضائع والأفراد، بل تعدتها إلى التدمير الممنهج للبنية التحتية للاقتصاد اليمني، وإفراغ المنظومة المالية من مضمونها عبر نقل وظائف البنك المركزي وتجميد صرف مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين. يضاف إلى ذلك السيطرة الكاملة للأطراف الموالية للرياض على منابع النفط والغاز والثروات السيادية اليمنية، وحرمان الميزانية العامة من الموارد الكفيلة بالحد من الانهيار المعيشي. وقد أنتجت هذه الممارسات واقعاً معيشياً صعبا وكارثيا، وجعلت اليمن يتصدر تقارير المنظمات الأممية كأكبر وأسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم في العصر الحديث.
وفي هذا السياق المتأزم، يرى مراقبون للشان اليمني في صنعاء أن اللجوء إلى خيار التأثير المباشر على الاقتصاد السعودي- عبر ورقة البحر الأحمر- يهدف إلى قطع الطريق على سياسة "التلاعب بالوقت" التي تنتهجها الرياض، فبالرغم من التوصل إلى تفاهمات متقدمة تحت مظلة خارطة الطريق الأممية، استمرت الرياض في المماطلة والالتفاف على استحقاقات السلام الأساسية، وفي مقدمتها معالجة الملف الإنساني الملحّ، وصرف مرتبات كافة موظفي الدولة من عوائد الثروات الوطنية، ورفع الحظر والقيود كلياً عن الموانئ والمطارات اليمنية.
وسبق أن أوضحت قيادة حكومة صنعاء أن ملفات السلام لا يمكن تجزئتها أو استخدامها للضغط السياسي؛ وأن السلام العادل لا يتحقق إلا بتفكيك أدوات الحرب الاقتصادية وإصلاح الأضرار الناجمة عن أعوام التصعيد.. ومن هنا جاء خيار فرض الحظر الملاحي كرسالة صريحة مفادها أن الاستقرار والاقتصاد السعودي لن يكونا بمدعاة للنماء والتقدم في وقت يُحرم فيه ملايين اليمنيين من أبسط حقوقهم الإنسانية والخدمية.
وتضع هذه التطورات الميدانية الاقتصاد السعودي وسلاسل الإمداد المارّة عبر الممرات البحرية الحيوية أمام خيارات حاسمة لا مناص منها، فالتحليلات الملاحية والدولية تجزم بأن التكلفة الاقتصادية والمرتبطة برسوم التأمين ومخاطر العبور لن تتوقف عن التصاعد ما دامت مسببات الأزمة قائمة.
ويؤكد محللون أن مسار الأحداث واستمرار حظر الملاحة السعودية جنوب البحر الأحمر وفي باب المندب يثبت أن المعادلة باتت واضحة وأكثر صرامة من أي وقت مضى، وهي أنه لا أمان للملاحة السعودية ولا انخفاض لتكاليف شحن النفط ما لم تُرفع كافة القيود عن الاقتصاد اليمني.. مضيفين أن الطريق الوحيد لاستعادة التوازن والهدوء في الممرات البحرية المحددة يمر بالضرورة عبر التنفيذ الفوري والكامل لاستحقاقات السلام، ورفع الحصار الكلي عن كافة المنافذ اليمنية، وتلبية المطالب الإنسانية التي تكفل لليمنيين حقهم الطبيعي في الحياة والكرامة والسيادة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية