آخر الأخبار

ينبع تحت ضغط المخاطر.. مصافٍ آسيوية تدفع أرامكو لنقل شحناتها بعيداً عن البحر الأحمر

شارك

وبحسب تقرير نشرته بلومبرغ في 17 أغسطس/آب، فإن بعض شركات التكرير الآسيوية دفعت باتجاه عدم استلام شحناتها من ينبع، بسبب صعوبة العثور على ناقلات مستعدة للإبحار في البحر الأحمر. وطلبت شركتا تكرير آسيويتان على الأقل من أرامكو إمكانية تسلم النفط الذي اشترتاه من ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط بدلاً من ينبع، وتتعلق الطلبات بشحنات مقررة لشهر سبتمبر/أيلول ضمن عقود طويلة الأجل مع الشركة السعودية.

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في طبيعة المشكلة. فالمشتري لا ينظر إلى سعر برميل الخام وحده، بقدر ماينظر إلى الكلفة النهائية للبرميل عند وصوله إلى المصفاة. وإذا تطلبت الصفقة استئجار ناقلة بعلاوة مخاطر مرتفعة، وتأميناً حربياً أكثر كلفة، ومساراً أطول، واحتمالاً أكبر لتأخر السفينة أو تغيير خط سيرها، فإن الخام الذي يبدو منافساً عند نقطة البيع قد يفقد جزءاً من جاذبيته عند احتساب فاتورة النقل كاملة. وقد أكدت رويترز أن تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب في المنطقة ارتفعت، بينما غيّرت شركات ناقلات استراتيجيات إبحارها بفعل المخاطر الأمنية.

المفارقة أن ينبع اكتسب أهمية استثنائية للسعودية تحديداً باعتباره أحد البدائل الرئيسية لتصدير النفط بعيداً عن الاختناقات التي أصابت حركة الشحن عبر مضيق هرمز خلال الحرب. فقد حولت أرامكو كميات من خامها، وخصوصاً الخام العربي الخفيف، نحو الساحل الغربي للتصدير عبر ينبع، لكن تصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب عقب الحظر اليمني على الملاحة السعودية جعل هذا المسار البديل نفسه أكثر تعقيداً. وهكذا وجدت أرامكو نفسها أمام ضغوط في مسارين بحريين مختلفين في الوقت نفسه: هرمز من الشرق، والبحر الأحمر وباب المندب من الغرب.

وتشير بيانات رصد حركة الناقلات إلى حجم الاضطراب الذي أصاب عمليات التصدير من الساحل السعودي الغربي. ففي الأسبوع الذي بدأ في 3 أغسطس/آب، قدرت شركة Kpler تحميلات ينبع بنحو 1.78 مليون برميل يومياً، انخفاضاً من 4.04 ملايين برميل يومياً في الأسبوع السابق، في حين قدمت شركات تتبع أخرى تقديرات مختلفة بسبب إطفاء عدد كبير من الناقلات أجهزة التعريف الآلي AIS خلال وجودها في المنطقة عالية المخاطر. وقد قالت Vortexa إن جميع عمليات التحميل الأخيرة من ينبع جرت حين كانت السفن لا تظهر بصورة طبيعية على أنظمة التتبع.

وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى سوق النفط، لأن المشكلة لم تعد مجرد تأخير في شحنة هنا أو ناقلة هناك. عندما تبدأ السفن في إخفاء مواقعها، وترتفع أقساط التأمين، ويتردد ملاك الناقلات في دخول منطقة معينة، تصبح سلسلة الإمداد بأكملها أقل قابلية للتنبؤ. والمصافي الآسيوية تعمل وفق برامج دقيقة للتحميل والوصول والتكرير والمخزون؛ لذلك فإن عدم اليقين في موعد وصول ناقلة عملاقة محملة بنحو مليوني برميل يمكن أن يتحول سريعاً إلى كلفة تشغيلية وتجارية تتجاوز سعر الشحن نفسه.

لهذا برز ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط باعتباره مخرجاً آخر أمام أرامكو. ويمكن نقل النفط السعودي شمالاً عبر منظومة النقل المصرية قبل تحميله من الساحل المتوسطي، بما يسمح للناقلات بتجنب المرور جنوباً عبر باب المندب. وتشير بيانات Vortexa إلى أن تحميلات الخام والمكثفات من سيدي كرير وصلت في أحد أسابيع أغسطس إلى مستوى قياسي بلغ 2.17 مليون برميل يومياً، وكان الخام السعودي يشكل نحو 90% منها. لكن الحل المصري ليس بلا ثمن.

فالشحنة المتجهة من البحر المتوسط إلى آسيا قد تضطر إلى رحلة أطول وأكثر كلفة، بما في ذلك الالتفاف حول أفريقيا بحسب مسار السفينة وظروف الملاحة. ولهذا نقلت بلومبرغ عن متعاملين أن واحدة على الأقل من شركات التكرير التي طلبت تغيير نقطة الاستلام قد تختار في النهاية التخلي عن حصتها الشهرية بسبب ارتفاع تكاليف نقل النفط من سيدي كرير إلى آسيا. وتسمح العقود السعودية طويلة الأجل للمشترين بدرجة من المرونة في توقيت استلام الكميات، بما في ذلك خفض المخصصات الشهرية أو تجاوزها في ظروف معينة.

وأكدت بيانات أحدث نشرتها رويترز في 18 أغسطس/آب أن المشكلة لا تزال قائمة؛ إذ قدرت Kpler أن نحو 670 ألف برميل يومياً فقط من خام الشرق الأوسط ستُحمّل من سيدي كرير باتجاه آسيا خلال الشهر، وهو حجم يظل محدوداً مقارنة بمستويات الصادرات التي كانت تمر عبر ينبع قبل الاضطرابات. ونقلت رويترز عن محللة السوق الصينية في Vortexa إيما لي أن المشترين الآسيويين، وخصوصاً الصينيين، غير مرتاحين لطول الرحلات وارتفاع تكاليف الشحن المرتبطة بهذا البديل.

وتزداد أهمية التطور لأن بلومبرغ أفادت بأن أرامكو طلبت من مصافٍ يابانية وكورية جنوبية استلام بعض شحنات سبتمبر من سيدي كرير، بينما طُلب من معظم المشترين في الصين وتايوان والهند استلام نفطهم من ينبع.

كما خفضت الشركة سعر خامها الرئيسي للمشترين الآسيويين لشهر سبتمبر إلى أدنى مستوى نسبي منذ عام 2020 وفق بلومبرغ، إلا أن التخفيض يتعلق بسعر الخام الأساسي، بينما يمكن أن تعيد تكاليف الخدمات اللوجستية والشحن رفع السعر الفعلي الذي يتحمله المشتري عند اختيار نقاط تحميل بديلة.

وتحاول أرامكو في الوقت نفسه توسيع خياراتها من الجهة الأخرى. فقد أفادت رويترز بأن الشركة بدأت عرض خامي العربي المتوسط والعربي الثقيل على بعض العملاء الآسيويين عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة الفجيرة الإماراتية، في محاولة لتقديم النفط خارج مضيق هرمز من دون إجبار المشتري على إرسال ناقلته إلى المناطق الأكثر خطورة. كما استأنفت ناقلات خلال الأيام الأخيرة تحميل النفط من رأس تنورة والجعيمة بعد توقف استمر أسابيع.

لكن التطورات المتعلقة بينبع تضع أرامكو أمام اختبار تجاري يتجاوز مسألة الإنتاج. فامتلاك ملايين البراميل والقدرة على ضخها عبر الأنابيب لا يكفيان إذا أصبحت نقطة التسليم نفسها غير مرغوبة لدى المشترين أو مكلفة بالنسبة إلى ملاك السفن. وكلما طال أمد التوتر في البحر الأحمر، ازداد احتمال أن يطالب العملاء بنقل نقطة التسليم إلى موانئ أكثر أمناً، أو بخصومات تعوض تكاليف النقل والتأمين، أو أن يخفض بعضهم مشترياته الشهرية إذا أصبحت البدائل المتاحة أكثر تنافسية.

وهنا تكمن الدلالة الأوسع لما يجري: الخطر الأمني في البحر الأحمر بدأ يتحول إلى علاوة مالية مباشرة على النفط السعودي. فبدلاً من أن يكون ينبع مجرد طريق بديل يتجاوز أزمة هرمز، أصبح أمن الطريق المؤدي منه إلى الأسواق الآسيوية جزءاً من معادلة تسعير البرميل نفسه. وإذا استمرت شركات التكرير في مقاومة التحميل من ينبع، فلن يكون التحدي أمام السعودية هو إيجاد طريق آخر للنفط فحسب، بل إيجاد طريق يستطيع إيصال البرميل إلى آسيا بسعر وموعد ومخاطر يقبل بها المشتري في سوق باتت فيه الجغرافيا والأمن البحري جزءاً لا ينفصل عن المنافسة النفطية.


* نقلا عن عرب جورنال
*


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا