على مدى السنوات العشر الماضية، شهدت العاصمة عدن جرائم قتل هزت المجتمع وأثارت موجات واسعة من الغضب والمطالبات بتحقيق العدالة. وبينما أُغلقت بعض الملفات بأحكام قضائية، ما تزال قضايا أخرى مفتوحة أمام المحاكم أو في مراحل الاستئناف والطعن، فيما بقيت ملفات غامضة تنتظر كشف الحقيقة كاملة.
ويكشف الرصد الإعلامي للقضايا التي ما تزال حاضرة في المشهد القضائي في محافظة عدن عن خمسة ملفات بارزة، هي: قضية فتاة «توب سنتر»، ومقتل سائق باص كريتر، ومقتل الدكتور أحمد الدويل، ومقتل الدكتور عبدالرحمن الشاعر، ومقتل الشيخ مهدي العقربي.
أولاً: فتاة توب سنتر.. حكم بالإعدام ينتظر اكتمال طريقه
تظل قضية الشابة فاطمة محمد عمر سرور، المعروفة إعلاميًا بـ«ضحية توب سنتر»، واحدة من أكثر جرائم القتل التي هزت عدن خلال السنوات الأخيرة. فقد قُتلت داخل مركز «توب سنتر» التجاري في مديرية المنصورة، في جريمة وثقتها كاميرات المراقبة وأثارت غضبًا شعبيًا واسعًا.
وأصدرت محكمة المنصورة الابتدائية حكمًا بإعدام المتهم محسن رشاد، بعد إدانته بقتل فاطمة عمدًا وعدوانًا، قبل أن تؤيد محكمة استئناف عدن الحكم في فبراير 2025.
لكن القضية لم تنتهِ عند هذا الحد؛ ففي 2026 عاد الملف إلى واجهة المشهد بعدما نظم مواطنون وناشطون وقفة أمام محكمة استئناف عدن للمطالبة بسرعة استكمال الإجراءات وتنفيذ حكم القصاص.
وهنا تكمن المفارقة: "القضية حُسمت من حيث الإدانة في درجتين، لكنها لم تُغلق من حيث الأثر النهائي للحكم". وبالنسبة لأسرة الضحية، فإن العدالة لا تكتمل بمجرد صدور الحكم، وإنما بإتمام الإجراءات القانونية ووصول الحكم إلى مرحلة التنفيذ.
وتكشف القضية مشكلة متكررة في ملفات القتل بعدن، تتمثل في الفارق بين «الحكم» و«تنفيذ الحكم»، وهو فارق قد يحول القضية من خبر قضائي إلى قضية رأي عام مستمرة لسنوات.
ثانيًا: قاتل سائق باص كريتر.. محاكمة سريعة ومرحلة استئناف مفتوحة
جريمة مقتل سائق باص الأجرة زكريا عزيز حسين القباطي في كريتر أصبحت من أبرز القضايا الجنائية الحديثة في عدن. فقد تعرض السائق للطعن أثناء قيادته الباص، في حادثة أثارت حالة من الغضب، خصوصًا أنها وقعت في منطقة مأهولة وأثناء ممارسة الضحية عمله اليومي.
وأصدرت محكمة صيرة الابتدائية حكمًا بالإعدام قصاصًا وتعزيرًا بحق المتهم عبدالله أحمد عبدالله حسن المشولي، بعد إدانته بقتل السائق. لكن القضية لم تتوقف عند الحكم الابتدائي؛ فقد انتقلت إلى محكمة الاستئناف.
وفي أغسطس 2026 وصلت القضية إلى مرحلة متقدمة أمام الاستئناف، حيث قررت المحكمة حجزها للنطق بالحكم في جلسة 16 أغسطس 2026، بعد استكمال إجراءاتها.
وهذا الملف يمثل حالة مختلفة عن قضية توب سنتر؛ فالفارق الزمني بين الجريمة والحكم الابتدائي كان قصيرًا نسبيًا، ما يشير إلى أن القضاء يستطيع التحرك بسرعة عندما تكون القضية واضحة والمتهم حاضرًا أمام المحكمة.
لكن سرعة الحكم الابتدائي لا تعني انتهاء الملف. فحق الطعن يجعل الحكم قابلًا للمراجعة أمام درجات التقاضي، وبالتالي فإن "النهاية القضائية الحقيقية لا تزال مرتبطة بما ستقرره محكمة الاستئناف".
ثالثًا: الدكتور أحمد الدويل.. جريمة غامضة بلا خاتمة قضائية واضحة
يُعد ملف مقتل الدكتور أحمد سليمان الدويل من أكثر قضايا القتل غموضًا في عدن. فقد قتل الطبيب المعروف داخل مكتبه في مستوصف الحسين بمدينة عدن في يوليو 2022، وسرعان ما تحولت القضية إلى قضية رأي عام بسبب الغموض الذي أحاط بملابسات الوفاة.
في بداية القضية ظهرت روايات رجحت الانتحار، بينما شككت مصادر مقربة من الطبيب في هذه الرواية وطالبت بكشف الحقيقة. ودخلت الأجهزة الأمنية وخبراء الأدلة الجنائية والسلاح والبصمات والطبيب الشرعي على خط التحقيق، قبل إحالة نتائج الإجراءات إلى النيابة العامة.
وتكمن خطورة الملف في أن الرأي العام لم يحصل، وفق المصادر المنشورة المتاحة، على خاتمة قضائية واضحة تحدد بصورة قاطعة طبيعة الوفاة والمسؤول عنها. بل إن القضية شهدت لاحقًا اتهامات من أسرة الدويل بوجود تدخلات ومحاولات لتمييع الملف، وهي اتهامات ينبغي التعامل معها باعتبارها "موقفًا صادرًا عن الأسرة" لا حكمًا قضائيًا على الجهات المتهمة.
والأهم استقصائيًا هو الفصل بين ملف القتل نفسه وبين قضايا النشر التي ظهرت لاحقًا حول تناول القضية إعلاميًا؛ فوجود حكم في قضية نشر لا يعني أن جريمة قتل الدكتور الدويل حُسمت قضائيًا.
وبذلك يبقى ملف الدويل مختلفًا عن بقية الملفات: فالمشكلة ليست فقط في طول أمد التقاضي، وإنما في "غياب خاتمة قضائية معلنة للرأي العام تضع حدًا للتكهنات حول ما حدث داخل ذلك المكتب".
رابعًا: الدكتور عبدالرحمن الشاعر.. قضية حديثة تتعثر داخل المحكمة
مقتل الدكتور عبدالرحمن الشاعر في عدن عام 2026 تحول سريعًا إلى قضية رأي عام، وأحيل الملف إلى المحكمة الجزائية المتخصصة بعد توجيه الاتهام إلى عدد من الأشخاص.
وفي يوليو 2026 قررت المحكمة مواصلة محاكمة متهمين فارين، كما واجهت متهمًا آخر بقرار الاتهام، في وقت كانت فيه القضية لا تزال في مرحلة عرض الأدلة ومناقشة الإجراءات.
لكن مسار المحاكمة تعرض للتعثر؛ ففي أغسطس 2026 تأجلت الجلسة الخامسة عقب تقديم طلب لرد القاضي، قبل أن تفصل الشعبة الجزائية المتخصصة في الطلب وترفضه، مع تحديد جلسة لاحقة لمواصلة المحاكمة.
وتبرز في القضية مشكلة وجود متهمين فارين من وجه العدالة، الأمر الذي يطرح سؤالًا حول قدرة المحكمة على الوصول إلى جميع أطراف القضية، ومدى تأثير غياب بعض المتهمين على كشف كامل ملابسات الجريمة.
وعلى الرغم من حداثة القضية، فإنها تستحق الإدراج ضمن الملفات التي تتابعها وسائل الإعلام باعتبارها "قضية قتل ما تزال أمام القضاء ولم تصل إلى حكم نهائي".
خامسًا: الشيخ مهدي العقربي.. قضية لم تبدأ محاكمتها فعليًا رغم الإحالة
يمثل ملف مقتل الشيخ مهدي سالم صالح العقربي نموذجًا آخر لتعقيدات العدالة الجنائية في عدن. فقد أصدرت نيابة استئناف شمال عدن قرار الاتهام وأحالت المتهمين إلى المحاكمة، في قضية تتضمن اتهامات بالقتل العمد والعدوان.
لكن انتقال الملف من النيابة إلى المحكمة لم يكن كافيًا لبدء محاكمة مستقرة. فقد تعثرت إحدى الجلسات بسبب عدم تمكن إدارة السجن من نقل المتهمين إلى المحكمة، وهو ما أدى إلى احتجاج أسرة العقربي ومطالبتها بتسريع إجراءات المحاكمة.
وفي أحدث تحرك إعلامي، جددت أسرة الشيخ مهدي العقربي في أغسطس 2026 دعوتها إلى وقفة أمام محكمة صيرة للمطالبة بالعدالة، وهو ما يؤكد أن الملف ظل حاضرًا بقوة في المشهد العام حتى هذه الفترة.
القضية هنا تكشف خللًا إجرائيًا بالغ الحساسية: "قد تكون النيابة قد أنجزت قرار الاتهام، وقد تكون المحكمة مستعدة للنظر في الملف، لكن تعذر إحضار المتهمين يمكن أن يمنع العدالة من الانتقال فعليًا إلى مرحلة المحاكمة".
ماذا تقول القضايا الخمس عن عدالة القتل في عدن؟
عند جمع الملفات الخمسة، تظهر صورة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن «القضاء بطيء». فقضية سائق الباص تحركت بسرعة ووصلت إلى حكم ابتدائي ثم الاستئناف، بينما احتاجت قضية توب سنتر سنوات حتى تصل إلى حكم الاستئناف، وما زالت الأسرة تطالب باستكمال إجراءاتها.
أما قضية الدويل فتكشف مشكلة مختلفة تمامًا، تتمثل في الغموض وعدم وجود خاتمة قضائية معلنة، في حين تظهر قضية الشاعر أن المحاكمة يمكن أن تتعثر بسبب الإجراءات وغياب بعض المتهمين. وتكشف قضية العقربي أن تعذر إحضار المتهمين يمكن أن يعطل المحاكمة من أساسها.
والنتيجة أن «القضية العالقة» ليست شكلًا واحدًا؛ فقد تكون (قضية بلا حكم، أو قضية أمام الاستئناف، أو حكمًا لم يدخل مرحلة التنفيذ، أو ملفًا لم يحصل الرأي العام على خاتمته القضائية الواضحة).
تكشف هذه الملفات الخمسة عن فجوة بين الجريمة والحكم، وبين الحكم والنهاية الفعلية للقضية. وفي كل ملف تقريبًا توجد حلقة تحتاج إلى المتابعة: حكم ينتظر استكمال الإجراءات، أو استئناف لم يصدر فيه قرار نهائي، أو متهمون لم يمثلوا أمام المحكمة، أو قضية لم تتضح للرأي العام نهايتها القضائية.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط عقد جلسات وإصدار بيانات، وإنما (إتاحة معلومات قضائية دقيقة ومنتظمة) عن كل قضية قتل: متى وقعت الجريمة، متى بدأ التحقيق، متى صدر قرار الاتهام، كم جلسة عقدت المحكمة، ما أسباب التأجيل، هل صدر حكم، هل طُعن فيه، وأين أصبح الملف اليوم.
ففي قضايا الدم تحديدًا، لا يكفي أن تقول الدولة لأسرة الضحية إن «القضية أمام القضاء». العدالة الحقيقية تبدأ عندما يعرف المجتمع الحقيقة، وتنتهي عندما يصبح الحكم النهائي نافذًا، ويشعر ذوو الضحية أن دم قريبهم لم يتحول إلى ملف منسي في أدراج المحاكم.
المصدر:
عدن الغد