الضربة تكتسب أهميتها السياسية من توقيتها بقدر ما تكتسبها من طبيعة الهدف. فهي تأتي بعد أربعة أيام فقط من هجوم سابق أعلنت صنعاء تنفيذه ضد المصفاة نفسها، وبعد أيام قليلة من توقيع الاتفاق الدفاعي الثلاثي في مكة في 7 أغسطس/آب. وفي الهجوم السابق أقرت وزارة الطاقة السعودية باندلاع حريق في المصفاة من غير أن تحدد سببه، بينما أعلنت صنعاء مسؤوليتها عنه.
وبذلك تصبح منشأة جيزان، التي تبلغ طاقتها نحو 400 ألف برميل يوميًا، إحدى أولى ساحات الاختبار الفعلية لمفهوم «الدفاع الجماعي» الذي أعلنه الحلف الجديد.
هنا يبرز السؤال الذي يصعب على العواصم الثلاث تجاهله: إذا كان الاتفاق ينص صراحة على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، فما الذي يعنيه ذلك عندما تكون السعودية هي الطرف المستهدف؟
وهل ستتعامل أنقرة وإسلام آباد مع الهجمات اليمنية بوصفها حالة تستدعي تفعيل الالتزام الجماعي، أم أن الاتفاق سيبقى في هذه المرحلة إطارًا سياسيًا وعسكريًا طويل الأمد لا يفرض ردًا مباشرًا على كل هجوم؟
الاتفاق، وفق ما أعلنته الدول الثلاث، يتضمن بالفعل صيغة للدفاع المشترك شبيهة من حيث المبدأ بالمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، لكن باكستان شددت في الوقت نفسه على أن طبيعته «دفاعية بحتة»، وأنه ليس موجهًا ضد دولة بعينها.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات معلنة على أن تركيا أو باكستان قررتا شن عمليات عسكرية داخل اليمن ردًا على هجمات اليمن بل إن الخطوات التي كشفت عنها أنقرة في 13 أغسطس/آب تركز على إنشاء آليات تنسيق سياسي وعسكري بين وزراء الدفاع والخارجية وقادة الجيوش، وإجراء مناورات مشتركة وتوسيع التعاون في الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والصناعات الدفاعية.
فهناك فرق بين التعهد بالدفاع عن الحليف وبين الدخول في حربه. فأن تساعد تركيا وباكستان السعودية على اعتراض المسيّرات والصواريخ، أو تحسين الإنذار المبكر والاستخبارات والمراقبة البحرية، أمر مختلف جذريًا عن مشاركة قواتهما في ضرب أهداف داخل اليمن.
وحتى التحليلات التي تناولت الاتفاق بعد توقيعه تشير إلى أن طبيعته الدفاعية تسمح لأنقرة وإسلام آباد بدعم حماية الأراضي السعودية من دون أن تعني تلقائيًا الانخراط في حملة عسكرية داخل اليمن.
وهذه المسافة بين «الدفاع عن السعودية» و«الحرب على اليمن» قد تصبح العقدة الأكثر حساسية أمام الحلف. فأنقرة وإسلام آباد تمتلكان مصالح أوسع بكثير من الملف اليمني، وأي انتقال من الدعم الدفاعي إلى الاشتباك المباشر سيضعهما أمام حسابات البحر الأحمر وباب المندب وخطوط التجارة والطاقة، فضلًا عن خطر تحول المواجهة المحدودة إلى صراع إقليمي أوسع.
تركيا نفسها تشارك حاليًا في مباحثات لتشكيل ترتيبات دولية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، ما يوضح أن الممرات البحرية باتت بالفعل جزءًا أساسيًا من حسابات الحلف الجديد.
بالنسبة إلى صنعاء، يكفي مجرد إبقاء هذا السؤال مفتوحًا لتحقيق مكسب سياسي: هل ستغامر تركيا وباكستان بتوسيع دائرة المواجهة من أجل السعودية، أم ستكتفيان بتقديم الدفاع الجوي والاستخبارات والتكنولوجيا؟ وإذا اختارتا الخيار الثاني، فسيكون بإمكان صنعاء القول إن مبدأ «الهجوم على واحد هجوم على الجميع» له حدود عملية حين يصل إلى الساحة اليمنية.
أما إذا اختارتا التدخل العسكري المباشر، فإن الحلف سيكون قد انتقل سريعًا من أداة ردع أُنشئت لمنع توسع الحروب إلى طرف محتمل في واحدة منها.
المعضلة أكبر بالنسبة إلى باكستان تحديدًا. فهي قوة نووية وجيشها كبير، لكنها لا تستطيع التعامل مع أي انخراط إقليمي باعتباره معركة منفصلة عن مصالحها الاقتصادية وخطوطها البحرية وموقعها على بحر العرب. وتركيا، رغم امتلاكها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة دفاعية متطورة، تواجه الحساب نفسه: التفوق التقليدي في حجم الجيش أو نوعية السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نهاية سياسية سريعة في حرب غير متماثلة تعتمد فيها أنصار الله على الصواريخ والمسيّرات والانتشار الجغرافي والضغط على الممرات البحرية.
ولهذا فإن السؤال ليس، كما قد يبدو للوهلة الأولى، ما إذا كانت تركيا وباكستان أقوى عسكريًا من اليمنيين؛ فالمقارنة بهذا الشكل مضللة.
السؤال الحقيقي هو: ما حجم الثمن الذي تقبل الدولتان بدفعه لتحقيق هدف سياسي وعسكري في اليمن؟ فالحروب غير المتماثلة لا تُحسم دائمًا بفارق القوة النارية، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل الكلفة والاستمرار وحرمان خصمه من تحقيق أهدافه السياسية. ومن هذه الزاوية تحديدًا تمتلك صنعاء ورقة ضغط تتجاوز حدودها الجغرافية.
كان يمكن للتحالف الثلاثي أن يبدأ في بيئة أقل تعقيدًا لو سبقه تفاهم سياسي يخفف بؤر الصراع التي تخص كل عضو على حدة. لكن الملف اليمني بقي مفتوحًا، وجاءت الضربات على العمق السعودي لتضع الاتفاق الجديد مباشرة أمام تناقضه الأصعب: فإذا لم يتحرك الحلف عندما تتعرض دولة عضو لهجمات متكررة، ستطرح أسئلة حول القيمة العملية لالتزامه بالدفاع الجماعي؛ وإذا تحرك عسكريًا داخل اليمن، فقد يجد نفسه أمام حرب جديدة لم يكن الإعلان عن الاتفاق كافيًا لتحديد سقفها أو نهايتها.
لذلك لا تبدو ضربة جيزان مجرد جولة جديدة بين صنعاء والرياض. إنها اختبار مبكر لمعنى «حلف مكة» نفسه. فخلال أقل من أسبوع على توقيعه، انتقل النقاش من صور القادة الثلاثة وعبارات التضامن والدفاع المشترك إلى السؤال الأكثر صعوبة في أي تحالف عسكري: ماذا يفعل الحلف عندما يحين وقت دفع كلفة الالتزام؟
وفي هذه اللحظة، لا تحتاج صنعاء بالضرورة إلى مواجهة تركيا وباكستان عسكريًا لكي تختبر الحلف؛ يكفي أن تستمر في الضغط على السعودية لترغم أنقرة وإسلام آباد على الاختيار بين مساندتها بصورة عملية وبين إبقاء مسافة آمنة عن الحرب اليمنية. وبين الخيارين قد يتحدد ما إذا كان الاتفاق الثلاثي قد تأسس كمنظومة ردع قابلة للعمل، أم أن أول أزمة حقيقية كشفت مبكرًا حدود ما يستطيع أعضاؤه تقديمه لبعضهم بعضًا.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية