في هذا السياق، طرح الحوثي سردية متكاملة مفادها أن ما تعرض له اليمن لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، وإنما مشروع طويل الأمد يهدف إلى إضعاف الدولة اليمنية، والسيطرة على قرارها السياسي، ومنعها من استثمار مواردها الاقتصادية، وإبقاء البلاد في حالة استنزاف دائم.
تكتسب هذه التصريحات بعداً إضافياً حيث جاءت بالتوازي مع ما نشره موقع "دروب سايت"، الذي قال إنه حصل على برقيات سعودية سرية تعود إلى عام 2012، وتتضمن مقترحات لدعم أطراف سلفية في مواجهة جماعة أنصار الله، والعمل على تعميق الانقسامات داخل البيئة الزيدية، بما يؤدي إلى فتح جبهات متعددة ضد الحوثيين. وهذه الوئائق تمثل عنصراً مهماً في تفسير جانب من الحقائق التي كشفها الحوثي عن السياسة السعودية، إذ تبدو منسجمة مع حديثه عن وجود محاولات منظمة لإدارة الصراع اليمني عبر تغذية الانقسامات الداخلية، وليس فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة.
وتبرز أهمية هذا الربط في أن خطاب الحوثي لم يقتصر على الحديث عن عمليات عسكرية قادتها السعودية ضد اليمن، بل وسع دائرة الكشف لتشمل توظيف الانقسامات المذهبية والقبلية باعتبارها إحدى أدوات إدارة الصراع. والوثائق المنشورة من "دروب سايت" تشير إلى وجود نقاشات داخل مؤسسات سعودية حول دعم أطراف محلية وخلق اصطفافات جديدة في مواجهة الحوثيين، وهو ما ينسجم مع التصريحات التي تضمنتها الكلمة بشأن السعي إلى إضعاف التماسك الداخلي اليمني.
في الجانب الاقتصادي، يربط الحوثي بين استمرار الأزمة الإنسانية في اليمن وبين سياسات الحصار ومنع الاستفادة من الثروات النفطية والغازية، معتبراً أن الضغوط الاقتصادية ليست نتيجة الحرب وحدها، وإنما تمثل جزءاً من أدوات الصراع السياسي. ويقدم هذا الطرح تفسيراً يرى أن السيطرة على الموارد والمنافذ الاقتصادية شكلت أحد محاور النزاع، في حين تشير تقارير أممية ودولية إلى أن الأزمة الإنسانية اليمنية نتجت عن مجموعة متشابكة من العوامل، من بينها الحرب والانقسام المؤسسي وتراجع الاقتصاد والقيود المفروضة على حركة التجارة.
كما ربط الحوثي بين موقف صنعاء من القضية الفلسطينية وبين تصاعد التوتر مع السعودية، معتبراً أن التحركات الإقليمية للمملكة جاءت في اتجاه مغاير لموقف صنعاء، وأن ذلك انعكس على مسار العلاقات بين الطرفين. ويضع هذا الطرح الصراع اليمني ضمن إطار إقليمي أوسع يتجاوز حدوده المحلية.
وفي حديثه عن الحصار والضغوط الاقتصادية، شدد عبد الملك الحوثي على أن هذه السياسات لم تنجح في كسر إرادة اليمنيين أو الدفع بهم للتخلي عن حقوقهم الوطنية والسيادية، بل أسهمت في تعزيز حالة الصمود والتماسك الشعبي. مؤكداً أن سنوات الحرب والحصار دفعت باليمن إلى تطوير قدراته العسكرية والاعتماد على إمكاناته الذاتية، مشيراً إلى أن الشعب اليمني قدم نموذجاً في الثبات وتحويل التحديات إلى فرص. مشدداً على أن أي محاولة لفرض مزيد من الضغوط ستُقابل بتثبيت "معادلة الحصار بالحصار"، وأن أي تصعيد من الجانب السعودي سيواجه بـتصعيد شامل، في رسالة مفادها أن صنعاء لم تعد تتعامل مع الضغوط بمنطق رد الفعل، وإنما بمنطق فرض معادلات ردع جديدة وانتزاع الحقوق بالقوة إذا استمر الجانب السعودي في تعنته.
وبشكل عام، فإن تصريحات الحوثي والوثائق التي نشرها "دروب سايت" تلتقيان عند نقطة رئيسية تتمثل في الحديث عن دور سعودي يتجاوز المواجهة العسكرية إلى التأثير في البنية السياسية والاجتماعية اليمنية والتدخل السلبي في كل شؤون المنطقة وليس اليمن فحسب.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية