ولا سيما مع إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة السعودية، وتنفيذها عمليات صاروخية وبالطيران المسيّر استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو في جازان وينبع وبقيق؛ في تحرك يبدو أنه نقل المواجهة من نطاق التهديد السياسي إلى الضغط المنظم على العمود الفقري للاقتصاد السعودي.
وكانت أبرز نتيجة مباشرة لهذا التصعيد إغلاق مصفاة أرامكو في جازان، البالغة طاقتها نحو 400 ألف برميل يوميًا، بعد الهجوم الذي تعرضت له المنطقة. وبحسب مذكرة لشركة استشارات صناعية اطلعت عليها وكالة "رويترز"، أوقفت أرامكو المصفاة في 27 يوليو/تموز عقب الهجوم، في وقت أظهرت فيه مشاهد جرى التحقق من موقعها تصاعد دخان كثيف من اتجاه المجمع النفطي.
ويمثل توقف مصفاة جازان ضربة تشغيلية تتجاوز الأثر الإعلامي للهجوم؛ إذ يعني خروج طاقة تكريرية تستطيع معالجة نحو 2.8 مليون برميل خلال أسبوع، ونحو 12 مليون برميل إذا استمر الإغلاق شهرًا كاملًا.
كما أن مصفاة جازان ليست وحدة تكرير منفردة، بل مجمع متكامل يضم مرافق للطاقة والتخزين والتغويز والخدمات الصناعية. ولذلك فإن إصابة أجزاء مساندة مثل خزانات الوقود أو شبكات الكهرباء والمنافع قد تجعل العودة إلى التشغيل الكامل أكثر صعوبة وكلفة، حتى إذا لم تتضرر جميع وحدات التكرير الرئيسية.
ويضع إغلاق المصفاة أرامكو أمام خيارات جميعها مكلفة: إعادة توزيع الخام على مصافٍ أخرى، أو تقليص صادرات بعض المشتقات، أو السحب من المخزونات، أو شراء منتجات تعويضية من الخارج. وفي جميع الحالات، تتحمل الشركة أعباء إضافية في النقل والتشغيل وإعادة جدولة العقود، إلى جانب كلفة إصلاح المنشأة وحمايتها من هجمات محتملة أخرى.
وفي ينبع، التي حاولت السعودية تحويلها إلى بوابة بديلة لصادراتها بعد اضطراب الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، كشفت منصات رصد جوية عن صور تظهر ندوب الحروق الواضحة حول خزان تخزين كروي تابع لأرامكو السعودية في محطة ينبع السائبة (23.954322, 38.304607)، مما يشير إلى أضرار محتملة في الموقع. ويبدو أن مصنع الخلط والشحوم "Alhamrani-Fuchs" القريب في مدينة ينبع الصناعية قد تعرض أيضًا لأضرار جسيمة، مع تدمير معظم المنشأة على ما يبدو بفعل حريق.
كما بدأت نتائج الحظر اليمني تظهر بوضوح أكبر؛ فقد أفادت "لويدز ليست" بأن حركة ناقلات الخام السعودية في البحر الأحمر كادت تختفي من أنظمة الرصد العامة، مع عدم وجود عمليات رسو قابلة للتتبع لناقلات الخام منذ 23 يوليو/تموز. كما رُصد إيقاف 11 ناقلة على الأقل لأجهزة التتبع قبالة ينبع، بينما غيرت ثماني سفن على الأقل اتجاهها لتجنب باب المندب.
كما أظهرت بيانات الملاحة انخفاضًا حادًا في عدد السفن العابرة لباب المندب؛ إذ سجل يوم الأحد مرور 11 سفينة سلعية فقط، في أدنى مستوى يومي منذ أشهر، بعد الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية على ساحل البحر الأحمر. ويؤشر هذا التراجع إلى أن تأثير العمليات لم يعد محصورًا في السفن السعودية وحدها، وإنما امتد إلى حسابات الشركات الدولية التي أصبحت تتعامل مع المنطقة بوصفها نطاقًا عالي المخاطر.
أما بيانات Vortexa التي حللتها Windward، فتشير إلى هبوط تحميلات الخام من ينبع بنحو 40%؛ من قرابة 5.16 ملايين برميل يوميًا إلى نحو 3.09 ملايين برميل يوميًا بعد 19 يوليو/تموز. ويمثل ذلك تراجعًا يقارب 2.07 مليون برميل يوميًا عن المستوى السابق، وهو حجم كبير من النفط أصبح معرضًا للتأخير أو إعادة التوجيه أو التخزين بدل الوصول في موعده إلى الأسواق.
وتبرز هنا المفارقة التي تحاول صنعاء تثبيتها: فقد أنشأت السعودية خط "الشرق–الغرب" وميناء ينبع لكي تتمكن من تجاوز الأخطار المحيطة بمضيق هرمز، لكنها أصبحت تواجه اليوم خطرًا آخر عند المخرج الغربي في باب المندب والبحر الأحمر. وبذلك لم يعد نقل النفط من الشرق إلى الغرب يضمن إخراجه إلى الأسواق، بل ينقله من منطقة تهديد إلى منطقة تهديد أخرى.
وفي بقيق، أعلنت القوات اليمنية استهداف مواقع حساسة مرتبطة بإمداد الخام ونقله من شرق المملكة نحو ينبع. وأكد المتحدث العسكري يحيى سريع أن العملية استهدفت أجزاء من شبكة النقل والإمداد، بينما لم تقدم أرامكو ردًا تفصيليًا يوضح حجم الضرر أو مدى تأثيره في العمليات.
وتكتسب بقيق أهمية استثنائية لأنها تمثل واحدة من أهم حلقات معالجة النفط السعودي وفصل مكوناته قبل ضخه إلى موانئ التصدير. ولذلك فإن مجرد إدخالها ضمن بنك الأهداف اليمني يضاعف الضغط على الرياض؛ لأنها لم تعد تواجه تهديدًا عند الميناء فقط، بل على امتداد السلسلة التي تبدأ من معالجة الخام وتنتهي بتحميله على الناقلات.
ويزداد الضغط مع استهداف السفن السعودية أو المرتبطة بالموانئ السعودية، حيث أعلن الناطق باسم الجيش اليمني العميد يحيى سريع تنفيذ القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية استهدفت سفينة (NCC GHAZAL) النفطية السعودية لخرقها قرار حظر الملاحة البحرية المفروض على العدو السعودي ورفضها النداءات التحذيرية، وذلك بعدد من الصواريخ الباليستية حيث تم إجبارها على التراجع. يضاف ذلك إلى استهداف ناقلتي النفط "إنسيليا" و"ليلى" في وقت سابق.
وقد ظهرت هذه المعادلة بوضوح في قطاع التأمين؛ إذ أفادت "لويدز ليست" بأن مكتتبين رئيسيين يدرسون تقييد أو تعليق تغطية مخاطر الحرب للأعمال المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر. وإذا اتسع هذا الاتجاه، فإن التأمين قد يصبح أكثر تأثيرًا في وقف حركة السفن من الصواريخ نفسها؛ لأن الناقلة غير المؤمنة لا تستطيع عمليًا الإبحار أو الحصول على التمويل والموافقات اللازمة للعمل.
وتكشف معدلات استئجار الناقلات حجم هذا التحول؛ فقد ارتفعت تكلفة استئجار ناقلات النفط من ينبع إلى آسيا من أكثر قليلًا من 100 ألف دولار يوميًا إلى نحو 230 ألف دولار يوميًا، وفق بيانات نقلتها "لويدز ليست" عن شركة Clarksons. ويعني ذلك أن كلفة استئجار الناقلة اليومية تضاعفت تقريبًا، قبل احتساب الوقود والتأمين ورسوم الموانئ والمخاطر الأخرى.
كما أن اللجوء إلى المسارات البديلة يضيف نحو شهر إلى زمن الرحلة. فبدل انتقال النفط من ينبع إلى آسيا عبر باب المندب والمحيط الهندي، قد تضطر الناقلات إلى التوجه شمالًا نحو قناة السويس، أو استخدام خط سوميد، ثم الدوران حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
وبحسب تقديرات نقلتها "رويترز"، يمكن أن ترتفع مدة الرحلة من نحو 19 يومًا إلى قرابة 48 يومًا، في حين تقفز تكلفة الوقود من نحو 1.26 مليون دولار إلى قرابة 2.87 مليون دولار، إضافة إلى نحو مليون دولار من رسوم عبور قناة السويس. وبذلك قد تضيف الرحلة البديلة ما يقارب 2.5 مليون دولار أو أكثر إلى الكلفة المباشرة للناقلة الواحدة.
اليوم تبدو السعودية أمام معضلة متزايدة التعقيد: إذا واصلت التصدير عبر باب المندب، فإنها تخاطر بالسفن والشحنات وارتفاع التأمين؛ وإذا اختارت المسار الشمالي والدوران حول أفريقيا، فإنها تتحمل أسابيع إضافية وملايين الدولارات لكل رحلة؛ وإذا خفضت التحميلات، فإنها تضغط على تدفقاتها التجارية والتزاماتها مع المشترين.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية