آخر الأخبار

صنعاء تقترب من فرض حصار جوي على السعودية

شارك

وتبرز استجابة شركات الطيران باعتبارها أحد أهم المؤشرات العملية على جدية التحذيرات الصادرة من صنعاء. فقد شملت الإلغاءات شركات سعودية وإقليمية ودولية، من بينها الخطوط الجوية السعودية وطيران ناس وطيران أديل والعربية للطيران وفلاي دبي والخطوط الجوية القطرية، كما أعلنت شركة إير كايرو المصرية تعليق رحلاتها إلى أبها. ويعكس هذا التنوع في الشركات أن الاعتبارات الأمنية أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات التشغيل، وأن تقييم المخاطر لم يعد محصوراً على الجهات الحكومية، وإنما أصبح جزءاً من حسابات شركات النقل الجوي وشركات التأمين وإدارة السلامة الجوية.

كما عززت التحذيرات الصادرة عن الحكومتين البريطانية والكندية هذا التوجه، إذ أوصت لندن بالاستمرار في تجنب السفر إلى جنوب السعودية، بينما دعت أوتاوا إلى تجنب السفر إلى مطار أبها والمناطق القريبة من الحدود اليمنية بسبب مخاطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. ورغم أن هذه التحذيرات صدرت من حكومات أجنبية، فإنها توفر غطاءً إضافياً لشركات الطيران لتقليص عملياتها أو تعليقها مؤقتاً، لأن استمرار تشغيل الرحلات في مناطق مصنفة عالية الخطورة قد يترتب عليه أعباء قانونية وتأمينية وتشغيلية كبيرة.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن قوات صنعاء تسعى إلى نقل المواجهة من نطاق الضربات العسكرية المحدودة إلى مستوى التأثير في حركة الملاحة الجوية السعودية. فإلى جانب استهداف مطار أبها، أطلقت صنعاء تحذيراً مباشراً لجميع شركات الطيران من العبور في الأجواء السعودية، مطالبة بأخذ التحذير على محمل الجد. ويبدو أن الاستجابة العملية لهذا التحذير انعكست في انخفاض حركة الطيران المدني فوق جنوب المملكة، الأمر الذي يؤكد قدرة صنعاء على التأثير في قرارات الشركات حتى بدون فرض حظر جوي رسمي.

هذا الواقع يعزز فرضية أن صنعاء تحاول فرض ما يمكن وصفه بحصار جوي غير مباشر على السعودية، يعتمد على خلق بيئة تشغيلية مرتفعة المخاطر تدفع بشركات الطيران إلى تقليص رحلاتها طوعاً. ويختلف هذا الأسلوب عن الحظر الجوي التقليدي الذي تفرضه الدول عبر قرارات قانونية أو عسكرية مباشرة، إذ يقوم هنا على التأثير في حسابات المخاطر لدى شركات الطيران وشركات التأمين، بما يؤدي إلى نتائج متقاربة تتمثل في انخفاض الحركة الجوية وتراجع استخدام بعض المطارات.

ويرتبط هذا التوجه، وفق ما تعلنه صنعاء، بالرد على القيود المفروضة على مطار صنعاء الدولي، ولا سيما بعد استهدافه بالغارات السعودية، وهو ما تعتبره صنعاء نهاية لمرحلة خفض التصعيد التي استمرت عدة سنوات. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف مطار أبها والتحذير الموجه لشركات الطيران يمثلان معادلة ردع جديدة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث يصبح استمرار القيود على مطار صنعاء مصحوباً بتزايد المخاطر التي تواجه المطارات السعودية.

وفي حال استمرار التصعيد وعدم التوصل إلى تفاهمات تحد من استهداف البنية التحتية المدنية، فإن احتمالات توسيع نطاق العمليات ضد مطارات سعودية أخرى تظل قائمة، خصوصاً إذا رأت صنعاء أن حركة الطيران إليها تتعرض لمحاولات تعطيل جديدة. وفي هذه الحالة قد تواجه شركات الطيران خيارات أكثر تعقيداً بين الحفاظ على جداول رحلاتها وبين الالتزام باعتبارات السلامة، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع دائرة التعليق أو إعادة جدولة الرحلات، مع ما يرافق ذلك من انعكاسات اقتصادية وتشغيلية على قطاع النقل الجوي في المنطقة.

وبوجه عام، فإن المؤشرات الحالية توضح أن التحذيرات الصادرة عن صنعاء لم تبقَ في إطار الرسائل السياسية، وإنما بدأت تترك أثراً ملموساً في سلوك شركات الطيران وفي حركة الملاحة الجوية، وهو ما يمنحها بعداً عملياً قد يتطور، إذا استمر التصعيد، إلى حصار جوي غير مباشر على السعودية، يعتمد على تقليص حركة الطيران وزيادة كلفة التشغيل.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا