آخر الأخبار

السعودية تشعل الحرب من جديد .. هل وقعت الرياض في فخ صنعته بيدها ؟

شارك

فمنذ هدنة أبريل 2022، ورغم تعثر المفاوضات وتأخر تنفيذ خارطة الطريق، بقيت الحرب السعودية اليمنية بعيدة عن المواجهات المباشرة، وهو ما وفر للرياض قدراً من الاستقرار الأمني على حدودها ومنشآتها الحيوية، كما أتاح لها التركيز على أولوياتها الاقتصادية ومشروعاتها التنموية. لكن الغارات السعودية التي استهدفت مطار صنعاء، بالتزامن مع محاولة منع هبوط طائرة إيرانية، تبدو نقطة فاصلة أنهت عملياً جميع التفاهمات غير المعلنة التي حافظت على هذا الهدوء النسبي.

المواقف الصادرة عن قيادة صنعاء لم تترك مساحة كبيرة للتأويل. فقد جاء خطابها السياسي والعسكري متوافقاً في اعتبار قصف المطار عملاً حربياً تتحمل السعودية مسؤوليته المباشرة، بغض النظر عن الجهة التي أعلنت تنفيذ العملية أو الصيغة الإعلامية التي قُدمت بها.

ومن منظور صنعاء، فإن استهداف منشأة سيادية بحجم مطار صنعاء الدولي يعني سقوط قواعد الاشتباك التي حكمت السنوات الأربع الماضية، وبالتالي فإن الرد لم يعد مرتبطاً بحادثة منفردة، وإنما بمرحلة جديدة ترى أنها بدأت بالفعل.

هذه القراءة تجعل من الصعب احتواء التصعيد عبر بيانات سياسية أو محاولات التنصل من المسؤولية، لأن القضية بالنسبة لصنعاء تجاوزت تفاصيل العملية العسكرية إلى اعتبارها تحولاً استراتيجياً في الموقف السعودي.

إذا كانت السعودية تراهن على أن الضربة ستفرض معادلات جديدة أو تمنع فتح خط جوي بين طهران وصنعاء، أو استمرار فرض الحصار، فإن النتائج الأولية لا تبدو مشجعة لهذا الرهان، إذ أن الطائرة الإيرانية تمكنت في النهاية من الهبوط في مطار الحديدة، بينما تحول استهداف مطار صنعاء إلى سبب مباشر لانهيار الهدنة.

وبذلك تجد الرياض نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي لم تحقق الهدف المعلن بمنع وصول الرحلة، وفي المقابل أصبحت أمام احتمال استئناف حرب كانت قد نجحت في تهدئتها لأكثر من أربع سنوات.

كما أن أي عودة للمواجهة لن تكون مشابهة لما كانت عليه في السنوات الأولى للحرب، فالتوازنات العسكرية والإقليمية تغيرت بصورة كبيرة، كما أن القدرات التي أعلنت صنعاء تطويرها خلال السنوات الماضية تجعل نطاق الرد المحتمل أوسع وأكثر تعقيداً من السابق.

المؤشرات الصادرة من صنعاء توحي بأن القيادة العسكرية والسياسية تتعامل مع التطورات باعتبارها بداية مرحلة جديدة وليست أزمة عابرة.

فالخطاب الرسمي يتحدث عن "انتزاع الحقوق"، وتحميل السعودية كامل المسؤولية عن إنهاء الهدنة، وهو خطاب يعكس مستوى مرتفعاً من الاستعداد السياسي والعسكري، ويشير إلى أن مؤسسات صنعاء دخلت حالة تأهب قصوى تحسباً لمواجهة قد تتسع خلال الفترة المقبلة.

كما أن التصريحات التي تؤكد أن قصف مطار صنعاء "لن يمر بدون عقاب" تعكس استعداداً للانتقال من سياسة ضبط النفس التي اتبعت خلال سنوات الهدنة إلى خيارات أكثر تصعيداً.

إذا مضت صنعاء في تنفيذ تهديداتها، فمن المرجح أن تستند إلى المعادلات التي أعلنتها سابقاً، وفي مقَدَّمِها مبدأ "المطار بالمطار"، إلى جانب ضرب ما تعتبره أهدافاً استراتيجية مرتبطة بالضغط على السعودية.

وفي حال توسعت دائرة العمليات، فإن ذلك قد ينعكس على المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية، وهو سيناريو يحمل تداعيات تتجاوز حدود اليمن، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بأمن الملاحة وأسواق الطاقة.

قد تكون الرياض افترضت أن استهداف المطار سيُمرر ضمن حسابات محدودة، إلا أن الردود الصادرة من صنعاء تشير إلى أن الأخيرة قرأت الحدث باعتباره إعلاناً لإنهاء مرحلة كاملة، وليس مجرد عمل عسكري يمكن احتواؤه.

وهنا تكمن المفارقة؛ فبدلاً من فرض وقائع جديدة، قد تكون السعودية قد وضعت نفسها أمام مواجهة أوسع، في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تتداخل فيه ملفات اليمن والبحر الأحمر ومضيق هرمز وأسواق النفط.

سواء اتجهت الأحداث إلى تصعيد واسع أو جرى احتواؤها عبر وساطات سياسية، فإن المؤكد أن الضربة التي استهدفت مطار صنعاء أحدثت تحولاً كبيراً في مسار الصراع. فمن وجهة نظر صنعاء انتهت الهدنة التي استمرت أربع سنوات، وبدأت مرحلة جديدة تعتبرها معركة لانتزاع الحقوق كاملة.

وفي المقابل، تبدو السعودية أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ أن أي تصعيد متبادل قد يحمل كلفة أمنية واقتصادية وسياسية أعلى بكثير من المكاسب التي كانت تسعى إليها من وراء استهداف المطار، وهو ما قد يجعل قرار العودة إلى الخيار العسكري قراراً ترتد تداعياته على الرياض نفسها قبل غيرها.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا