في الشهر الماضي، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود، عن مشروع قانون جديد للهجرة واللجوء يتضمن تغييرات في تفسير حقوق الإنسان كما يلزم اللاجئين برد جزء من الدعم الذي يتلقونه.
تقول وزيرة الداخلية البريطانية إن الهدف هو إنشاء "نظام هجرة حازم وعادل"، وتؤكد الحكومة سعيها لتحقيق العدالة لدافعي الضرائب، لكن منظمات حقوقية بريطانية ودولية تحذر من سلبيات ستزيد من هشاشة أوضاع اللاجئين.
وقد بدأ مجلس العموم البريطاني بالفعل في مناقشة مشروع القانون الجديد، حيث جرت قراءة أولى قبل أيام، تلتها القراءة الثانية بعد ظهر اليوم الاثنين 13 يوليو/تموز.
المفارقة المثيرة في هذا الشأن أن الوزيرة شبانة محمود من أصول باكستانية، ولدت عام 1980، وشغلت منصب وزيرة الداخلية البريطانية في سبتمبر/أيلول 2025، لتصبح أول امرأة مسلمة تتولى هذا المنصب.
يُنظر إلى هذه السيدة على أنها "المرأة القوية الجديدة في السياسة البريطانية" حسب تعبير شبكة سكاي نيوز، أو "المدمرة" حسب وصف مجلة "ذا سبيكتيتور" (The Spectator)، فبعد قليل من توليها منصبها الوزاري لم تتردد في قول "لن يعجبكم كل ما سأفعله"، وذلك في المؤتمر السنوي لحزب العمال الذي تنتمي إليه، في سبتمبر/أيلول الماضي.
شبانة التي درست الحقوق في جامعة أكسفورد، ثم أصبحت عضوة في البرلمان البريطاني، كشفت في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، عن تعديلات جذرية ترمي للتشدد في سياسة اللجوء، منها أن وضع اللاجئ سيصبح مؤقتا، كما أن الدعم المالي لطالبي اللجوء لن يكون تلقائيا.
ومن اللافت، أن منصب وزير الداخلية البريطاني شغلته امرأة مهاجرة أخرى قبل شبانة وهي سويلا برافرمان التي شغلت المنصب لفترة قصيرة في عامي 2022 و2023.
وعلى الرغم من أصولها المهاجرة كذلك (والدها من كينيا وأمها من موريشيوس وكلاهما من أصل هندي) فقد كانت برافرمان من أشد مؤيدي خفض الهجرة وترحيل اللاجئين غير النظاميين.
ويمتد التنوع لدى برافرمان إلى الدين، فهي تعتنق البوذية في حين أن والدتها هندوسية ووالدها مسيحي، كما أنها متزوجة من رجل أعمال يهودي من جنوب أفريقيا.
تأتي هذه الخطوة وسط جدل حاد داخل بريطانيا بشأن الهجرة واللجوء. حيث تسعى الوزيرة إلى دعم المشروع قبل الصعود المتوقع لعمدة مانشستر السابق آندي بيرنهام إلى منصب رئيس الوزراء.
جاء بروز المشروع متزامنا مع إعلان كير ستارمر في 22 يونيو/حزيران الماضي استقالته من رئاسة الحكومة على أن يبقى في منصبه حتى انتخاب رئيس جديد لحزب العمال في سبتمبر/أيلول المقبل، وذلك في ظل جدل داخلي متصاعد تجاه قضايا الهجرة واللجوء.
ويطالب المحافظون بعدم السماح بدخول لاجئين إضافيين إلى البلاد قبل وقف الهجرة غير الشرعية. بينما تشير الحكومة إلى أن النظام الجديد يهدف إلى تنظيم الاستقبال وتعزيز الثقة العامة في منظومة اللجوء.
الجدير بالذكر أن التحركات البريطانية تنسجم مع جدل تشهده القارة الأوروبية بشأن الهجرة، حيث فتحت دول الاتحاد الأوروبي الباب أمام تعديلات قانونية من شأنها أن تجيز نقل المهاجرين غير الشرعيين إلى دول ثالثة توافق على استقبالهم في ما يسمى بـ"مراكز إعادة".
إنشاء هيئة استئناف مستقلة جديدة لشؤون الهجرة. ويشمل ذلك تدريب أفراد من الجمهور ليصبحوا محكمين في قضايا اللجوء، على غرار القضاة. وذلك بهدف تسريع عملية استئناف طلبات اللجوء، التي تعاني حاليًا من تراكم هائل في القضايا.
يُدخل التشريع تعديلات على تفسير المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي الحق في الحياة الخاصة والأسرية. وينص على أن "الحياة الأسرية" يجب أن تقتصر على الشركاء المتعايشين، والوالدين، والأطفال دون سن 18 عامًا، باستثناء الظروف الاستثنائية.
ينص مشروع القانون على استبدال النظام الحالي لحماية اللاجئين، والذي يمتد لخمس سنوات، بنظام "حماية أساسية" مؤقت لمدة 30 شهرا في كل مرة. وقد تم تطبيق هذا النظام بالفعل من خلال تعديل قوانين الهجرة في مارس/آذار 2026.
وفقا للتشريع الجديد فإن أي حياة أسرية أُقيمت أثناء وجود الشخص في المملكة المتحدة دون تصريح لا يمكن أخذها في الاعتبار، وهو نص تقول الوزيرة إن من شأنه أن يمنع "المجرمين الأجانب" من الاعتماد على العلاقات الأسرية البعيدة لمنع ترحيلهم.
حسب التغييرات المقترحة، قد تطلب السلطة من اللاجئين الذين تلقوا سكنًا ودعمًا حكوميًا سداد جزء من تلك التكاليف، وهو ما قد يعتبره البعض "ضريبة على اللاجئين".
أخيرًا، يُدخل مشروع القانون عدة تغييرات على إطار مكافحة العبودية الحديثة في المملكة المتحدة. فهو يحدّ من الحماية الممنوحة لمن يُقدمون ادعاءات "متأخرة" بأنهم ضحايا للاتجار بالبشر، وذلك بدعوى التصدي لـ"أولئك الذين يسعون عمدا إلى منع ترحيلهم المشروع من المملكة المتحدة".
تشير دراسة تقييم الأثر المرفقة بمشروع القانون إلى أن هذه التغييرات ستؤدي إلى ترحيل 3600 شخص إضافي سنويا. لكن معظم الأشخاص الذين رُفضت طلباتهم بموجب المادة 8 سيبقون في المملكة المتحدة، إذ لا يمكن ترحيلهم لأسباب لوجستية.
وحسب موقع "كونفرسيشن" (The Conversation) (موقع إخباري وتحليلي دولي) ففي كثير من الحالات، يتسبب نقص التنسيق والأخطاء الإدارية في وزارة الداخلية في فشل عمليات الترحيل. وقد تبين أن التعقيدات المتعلقة بحجز الرحلات الجوية، وترتيب المرافقين، وغيرها من الأمور العملية، كلها عوامل تعيق عمليات الترحيل، بالإضافة إلى مشاكل إجرائية مثل عدم امتلاك وثائق السفر.
لا تُوفّر الحكومة حاليًا أماكن إقامة إلا لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. ويُمنع طالبو اللجوء عمومًا من العمل، ولا يملكون أي سيطرة على المدة التي يقضونها في أماكن الإقامة ريثما يصدر قرار وزارة الداخلية.
حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن جهودا مماثلة في أستراليا أدت إلى تأخيرات كبيرة وتراكم متزايد في نظام اللجوء. وتتفاقم هذه المخاوف بسبب افتقار العديد من يمثلون أمام هيئة الاستئناف إلى التمثيل القانوني، نتيجة النقص الحاد في المساعدة القانونية في قطاع الهجرة.
كما انتقدت منظمات حقوقية مشروع القانون من ناحية أن المحكمين في هيئة الاستئناف الجديدة لن يكونوا بحاجة إلى أن يكونوا محامين مؤهلين، كما هو الحال حاليًا.
فيما يخص سداد جزء من الإعانات التي حصل عليها اللاجئ، يفتقر مشروع القانون إلى التفاصيل بشكل ملحوظ، إذ ينص فقط على أنه "يجوز" لوزير الداخلية مطالبة شخص ما بسداد المبالغ. وقد وردت تقارير تفيد بأن هذا سيُلزم اللاجئين بسداد ما يصل إلى 10 آلاف جنيه إسترليني (نحو 12.7 ألف دولار).
من الناحية العملية، سيؤثر هذا بشكل غير متناسب على أولئك الذين يتحملون مسؤوليات الرعاية وذوي الإعاقة، وسيثني الناس عن طلب الدعم – مما يدفعهم إلى وضع غير مستقر للغاية ويجعلهم عرضة للاستغلال.
فيما يخص التعديلات المتعلقة بالاتجار بالبشر، تقول منظمات حقوقية إن هناك أدلة تُشير إلى أن تأخير الإفصاح عن التجارب المؤلمة للغاية أمر طبيعي بالنسبة للأشخاص الذين عانوا منها.
وتعتقد المنظمات أن مشروع القانون الجديد بدلا من تحسين نظام الهجرة وحماية ضحايا الاتجار بالبشر، من شأنه أن يجعل العديد من طالبي اللجوء واللاجئين أكثر عرضة للخطر.
نظرا للنقص المزمن في المساكن، كانت السلطات البريطانية قد اضطرت إلى تخصيص العديد من الفنادق لاستقبال اللاجئين، وكان المخطط أن يكون ذلك لفترة مؤقتة لكنها طالت لتمتد إلى سنوات.
ومنذ أشهر بدأت الحكومة البريطانية مشروعا يستهدف إعادة الفنادق إلى نشاطها الأصلي، وهو ما قالت صحيفة "آي بيبر" (i Paper) إنه يعني بداية مرحلة جديدة من التنقل وعدم الاستقرار بالنسبة للاجئين.
وتوضح الصحيفة في تقرير نشرته قبل أيام أن قضية الفنادق تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى أحد أكثر ملفات الهجرة إثارة للجدل بسبب تكلفتها المالية وارتباطها بالنقاش السياسي بشأن الهجرة.
وحسب التقرير، فبحلول نهاية مارس/آذار الماضي، بلغ عدد الطعون المقدمة ضد قرارات رفض اللجوء أكثر من 87 ألفا، بزيادة 70% مقارنة بالعام السابق. وفي الشهر نفسه، كان ما يقرب من 21 ألفا من طالبي اللجوء (21% من إجمالي المنتظرين لقراراتهم) يقيمون في الفنادق، في حين يعيش نحو 73 ألفا في أنواع أخرى من أماكن الإقامة المؤقتة.
ولا يُعد استخدام الفنادق لإيواء طالبي اللجوء سياسة جديدة في بريطانيا، فقد كانت السلطات المحلية تلجأ منذ أعوام إليها في حالات الطوارئ إلى حين توفير مساكن دائمة. لكنْ مع جائحة كورونا التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2019 تزايد الاعتماد عليها بشكل غير مسبوق.
ففي مارس/آذار 2020، كان نحو 1200 شخص يقيمون في الفنادق، قبل أن يرتفع العدد إلى 9500 شخص بحلول أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وبحلول عام 2023، استخدمت الحكومة نحو 400 فندق لإيواء أكثر من 56 ألف طالب للجوء.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت بريطانيا البحث عن بدائل أقل تكلفة. وفي يونيو/حزيران 2026، أعلنت وزارة الداخلية إغلاق 20 فندقا إضافيا، لينخفض العدد من 400 إلى 170 فندقا.
وفي السنوات القليلة الماضية، تحولت فنادق اللجوء إلى رمز للنقاش السياسي بشأن الهجرة في بريطانيا، علما بأن صحيفة "آي بيبر" لفتت الانتباه أيضا إلى طرف آخر استفاد من هذه الأزمة، وهو الشركات الخاصة التي تدير مساكن طالبي اللجوء.
ففي مايو/أيار 2025، أفادت تقارير بأن الشركات الثلاث المتعاقدة مع الحكومة حققت أرباحا تعادل نحو 507 ملايين دولار من عقود الإقامة، وتجاوزت أرباح سلسلة فنادق "بريتانيا" وحدها نحو 200 مليون دولار، منذ بدأت استقبال طالبي اللجوء عام 2014.
الإثارة المتعلقة بقضية الهجرة لا تتوقف في بريطانيا، فبالتوازي مع مناقشة تعديلات قانون الهجرة، يناقش البرلمان عريضة وقعها أكثر من 700 ألف شخص تطالب بإنشاء مراكز احتجاز خارج البلاد للمهاجرين الذين يدخلون بريطانيا بطرق غير شرعية.
وتم إطلاق العريضة في سبتمبر/أيلول من العام الماضي وجذبت 300 ألف توقيع خلال يومين فقط من إطلاقها في أجواء ساخنة بسبب ما يوصف بتزايد معدلات الهجرة غير الشرعية خصوصا عبر القوارب الصغيرة.
موضوع الفنادق كان حاضرا أيضا في الخلفية، حيث يعتبره أنصار العريضة مكلفا وغير مستدام وبالتالي فالأفضل هو وضع المهاجرين غير الشرعيين في مراكز احتجاز خارج بريطانيا ريثما تتم مراجعة ملفاتهم.
يذكر أن الحكومة البريطانية عبرت عن رفضها للعريضة في يناير/كانون الثاني الماضي واعتبرت أن فكرة الاحتجاز بالخارج مكلفة وغير عملية، لكنها قالت إنها تفعل كل ما يلزم لتأمين الحدود عبر إدخال تعديلات على قانون الهجرة واللجوء.
قطعت العريضة المراحل المعتمدة كافة، فبعد تجاوزها عتبة 10 آلاف توقيع باتت الحكومة ملزمة بالرد الرسمي عليها، وبعد تخطيها 100 ألف توقيع أصبحت مؤهلة للنظر في مناقشتها داخل البرلمان. وظلت العريضة مفتوحة للتوقيع ستة أشهر قبل أن تقفل في 12 مارس/آذار الماضي بعد جمعها نحو 721 ألف توقيع، لتقرر لجنة العرائض إدراجها على جدول نقاشات البرلمان، ويجدر التوضيح أن بحث العرائض يتم عبر نقاش عام يتيح للنواب طرح هواجسهم على الحكومة من دون أن تنتهي بتصويت على تنفيذ مطلب العريضة.
كان المهاجرون يتمكنون من استدعاء أسرهم وفقا لبرنامج لم شمل أسر اللاجئين لكن قرار الحكومة البريطانية بتعليق البرنامج قبل نحو عشرة أشهر أدى إلى حرمان أكثر من 16 ألفا من اللاجئين من لم الشمل مع أفراد أسرهم وفقا لأرقام تم الكشف عنها قبل أيام.
البرنامج الذي تم إيقافه في سبتمبر/أيلول الماضي كان يتيح لكل من يحصل على صفة لاجئ في المملكة المتحدة أن يتقدم بطلب لاستقدام أفراد أسرته المباشرين مثل الزوجة (أو الزوج) والأبناء الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما.
وحذر مجلس اللاجئين البريطاني من أن إغلاق أحد أهم المسارات القانونية والآمنة أمام الأسر من شأنه أن يدفع الناس إلى البحث عن بدائل غير نظامية، بما في ذلك الاعتماد على شبكات تهريب البشر وعبور بحر المانش في قوارب صغيرة.
وتؤكد الحكومة البريطانية أنها مستمرة في تأمين مسارات قانونية أخرى لاستقبال الفئات الأكثر ضعفا من اللاجئين، لكن منظمات حقوقية تؤكد أن أعداد المستفيدين من هذه المسارات محدودة مقارنة بمسار لم الشمل.
كما ذكرت وزارة الداخلية البريطانية أن التعديلات المستهدفة في قانون الهجرة تستهدف إصلاح القوانين بما يضمن استمرار حماية المحتاجين مع الحد من إساءة استخدام نظام اللجوء.
وأوضحت الوزارة أن لم الشمل لن يصبح حقا تلقائيا كما كان في السابق وإنما سيخضع لضوابط أكثر صرامة، على حد وصفها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة