آخر الأخبار

الجنود الإسرائيليون بلا درع بسبب المستشارة القانونية

شارك

يدفع الائتلاف الإسرائيلي نحو تقليص صلاحيات المستشارة القانونية للحكومة في وقت تتوسع فيه الملفات القانونية المرتبطة بجرائم الحرب في قطاع غزة، وتنتقل الملاحقات من المحكمة الجنائية الدولية إلى محاكم وطنية تستهدف جنودا وضباطا إسرائيليين خلال سفرهم.

وبين هذين المسارين تنشأ مفارقة إسرائيلية؛ فالحكومة تسعى إلى التحرر من الرقابة القانونية الداخلية، بينما تعتمد حماية جيشها في الخارج على إثبات استقلال هذه الرقابة وقدرتها على التحقيق والمحاسبة.

قانون اللحظة

أقرت لجنة الدستور في الكنيست، في 12 يوليو/تموز 2026، مشروع قانون يقلص صلاحيات المستشارة القانونية تمهيدا للقراءتين الثانية والثالثة -وفق صحيفة هآرتس – بعد إسقاط نحو 14 ألفا و500 تحفظ قدمتها المعارضة، وحتى 13 يوليو/تموز، ظل المشروع بانتظار التصويت النهائي في الهيئة العامة خلال الأسبوع، ولم يتحول بعد إلى قانون نافذ.

مصدر الصورة منح الحكومة القدرة على تجاوز رأي المستشارة أو استبدال التمثيل القانوني بآراء خاصة يفتح منفذا سياسيا إلى الجيش(الصحافة الإسرائيلية )

وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت تراجعت الصيغة الحالية عن الفصل الفوري بين منصبي المستشار القانوني والمدعي العام، لكنها تمنح الحكومة صلاحية تقرير أن رأي المستشارة لا يعكس القانون القائم، وتتيح لها تحديد الموقف الذي سيعرض أمام المحاكم والاستعانة بمحام خارجي عندما ترفض المستشارة تمثيل ذلك الموقف، كما تستطيع الحكومة، في حالات التمثيل الخارجي، منع المستشارة من الظهور أمام المحكمة من دون موافقتها.

وأشار تقرير يديعوت أحرونوت بأن الصيغة التي تمت الموافقة عليها تستثني تشغيل الصلاحيات الجنائية بصورة مباشرة، وهو استثناء يستخدمه مؤيدو المشروع للقول إن استقلال التحقيقات لن يتضرر، غير أن الاعتراض القانوني يركز على بنية أوسع من القرار الجنائي المنفرد، تشمل صياغة سياسات الحرب، والرقابة المدنية على النيابة العسكرية، وتمثيل الدولة أمام القضاء، ومدى قدرة الحكومة على تجاوز التحذيرات القانونية قبل تنفيذ العمليات.

إعلان

شبكة مترابطة

في مقال مشترك، يضع القاضي العسكري المتقاعد إيلان شيف، والرئيس السابق لقسم القانون الدولي في النيابة العسكرية عران شمير-بورر، النيابة العسكرية والمستشارة القانونية ضمن شبكة قانونية واحدة، فالنيابة تتمتع باستقلال مهني داخل الجيش، لكن القضايا التي تتجاوز الإطار العسكري، خصوصا سياسات استخدام القوة ذات التداعيات الدولية، تخضع لرقابة قانونية مدنية ترأسها المستشارة القانونية.

ويرى الكاتبان في مقالهما أن منح الحكومة القدرة على تجاوز رأي المستشارة أو استبدال التمثيل القانوني العام بآراء خاصة يفتح منفذا سياسيا إلى الجيش، وقد ظهر هذا المنحى خلال الحرب، بحسبهما، عندما استعان وزراء بآراء قانونية خارجية لتبرير عمليات مثيرة للجدل، باعتبارها بديلا عن موقف أجهزة الاستشارة العامة.

وبحسب الكاتبين تبدأ المشكلة بالنسبة إلى الجندي قبل وصول القضية إلى المحكمة، فالطيار أو المدفعي أو قائد الوحدة ينفذ الهجوم على افتراض أن اختيار الهدف وقواعد الاشتباك خضعا لفحص مهني مستقل، وإذا أصبحت المشورة القانونية قابلة للإقصاء كلما تعارضت مع موقف الحكومة، تتآكل الثقة بأن الأمر العسكري يوفر حماية قانونية لمن ينفذه.

درع التكاملية

تظهر أهمية الاستقلال في مبدأ "التكاملية" الذي يحكم تدخل المحكمة الجنائية الدولية، فالمحكمة لا يفترض أن تحل محل القضاء الوطني عندما تجري الدولة تحقيقات حقيقية ومستقلة ومحايدة وفعالة، لكنها تستطيع التدخل عندما ترى أن الدولة غير راغبة في التحقيق، أو أن إجراءاتها صممت لحماية المسؤولين من المحاسبة.

مصدر الصورة ضعف حجة التكاملية أمام لاهاي قد يشجع دعاوى ضد الجنود والضباط أمام محاكم الدول الأخرى(منظمة إفدي الدولية)

ويشرح عميحاي كوهين وعران شمير-بورر، في دراسة للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، نشرت في 3 مايو/أيار 2024، أن المحكمة تفحص جوهر التحقيقات، ومدى استقلالها، وغياب التأخير غير المبرر، وليس مجرد إعلان الجيش أنه فتح فحصا داخليا، كما حذرا من أن ضعف حجة التكاملية أمام لاهاي قد يشجع دعاوى ضد الجنود والضباط أمام محاكم الدول الأخرى.

وبحسب الكاتبين، فإن إقرار مشروع القانون لا يسقط حماية التكاملية بصورة آلية، ولا يعني أن كل جندي سيصبح مطلوبا خارج البلاد، لكنه يوفر مادة للمدعين والمنظمات الحقوقية للقول إن المرجعية التي تشرف على الجيش فقدت استقلالها، وإن الحكومة تستطيع تجاوز اعتراضاتها أو تقييد ظهورها أمام القضاء.

مصدر الصورة الجندي الإسرائيلي سار هيرشورين لاذي قدمت دعوى ضده في تشيلي لمشاركته في الحرب على غزة(مواقع التواصل)

وهنا يتفق شيف وشمير-بورر مع آفي كالو، المستشار القانوني السابق للقيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي في مقاله في يديعوت أحرونوت نشر في 27 مايو/أيار 2025، الذي يرى أن استقلال النيابة العسكرية جزء من حرية عمل الجيش، وأن كل مساس به يزيد تعرض القادة والجنود لإجراءات جنائية خارج إسرائيل.

الجنائية الدولية ومحاكم أخرى

تواجه إسرائيل مسارين مختلفين، يستهدف المسار الأول أصحاب المسؤولية السياسية والعسكرية العليا أمام المحكمة الجنائية الدولية، من خلال فحص السياسات والأوامر ومسؤولية القادة عن منع الجرائم أو التحقيق فيها.

إعلان

أما المسار الثاني فيتحرك داخل دول تطبق صورا مختلفة من الولاية القضائية العالمية، وتستطيع منظمات حقوقية تقديم شكاوى ضد جنود موجودين في أراضي تلك الدول، استنادا إلى صور ومقاطع مصورة وبيانات الوحدات العسكرية ومنشورات الجنود أنفسهم.

ورأت بنينا شرفيت باروخ وتامي كنر، من معهد أبحاث الأمن القومي، أن مذكرتي اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق، يوآف غالانت عكستا انعدام ثقة المحكمة في استعداد إسرائيل لإجراء تحقيقات مهنية حقيقية، وذهبتا إلى أن الحكومة أضعفت سلطات التحقيق والمنظومة القضائية، ومنعت تقديم حجة تكاملية مقنعة، داعيتين إلى تحقيق مستقل قد يحد من إصدار أوامر ضد مسؤولين إضافيين في الجيش والأجهزة الأمنية.

الخطر الميداني

ولم تبق المخاوف في نطاق الدراسات القانونية، فقد كشف مراسل الشؤون العسكرية في يديعوت أحرونوت، يوآف زيتون، في ديسمبر/كانون الأول 2024، أن الجيش رصد نحو 30 حالة قُدمت فيها شكاوى أو بدأت إجراءات بحق جنود وضباط شاركوا في الحرب على غزة، وطُلب من 8 منهم على الأقل مغادرة قبرص وسلوفينيا وهولندا أو تجنب السفر، بينما استعانت إسرائيل بعشرات المحامين في الخارج.

مصدر الصورة المدعية العامة العسكرية السابقة يفعات تومر يروشالمي (مواقع التواصل)

وفي يناير/كانون الثاني 2025، أفاد المراسل السياسي إيتامار آيخنر بفتح إجراءات أو تقديم شكاوى في 12 دولة، بينها البرازيل وبلجيكا وهولندا وفرنسا وجنوب أفريقيا وسريلانكا وتايلند، كما نُقل جنود بصورة غير معلنة من 5 دول على الأقل، بعد تقييم وجود خطر قانوني، مع التأكيد حينها أن المحاولات لم تنتج أوامر اعتقال نهائية بحقهم.

وأظهرت قضية الجندي الذي هرب من البرازيل في يناير/كانون الثاني 2025 بعد قرار قضائي بفتح تحقيق أن الخطر لم يعد مرتبطا بكبار القادة وحدهم، فقد استندت الشكوى إلى مقاطع وبيانات موقع وصور نشرها الجندي من غزة، وهو نموذج بات يسمح بتحويل المحتوى الشخصي إلى ملف قانوني عابر للحدود.

حماية معكوسة

تقدم الحكومة المشروع باعتباره استعادة لسلطة المسؤول المنتخب أمام جهاز قانوني غير منتخب، غير أن الحرب تجعل المسألة تتجاوز توزيع الصلاحيات داخل إسرائيل، فكلما اقتربت الاستشارة القانونية من كونها محاميا خاصا للحكومة، تراجعت قدرتها على إقناع الخارج بأن تحقيقات الجيش مستقلة عن الحكومة نفسها،

ويدفع الائتلاف باتجاه إضعاف الجهة التي تعترض على قراراته، بينما يحتاج الجنود إلى هذه الجهة تحديدا لإثبات أن الدولة قادرة على فحص أعمالهم بجدية.

ومع تراكم أدلة حرب الإبادة في غزة وانتقال الشكاوى بين الدول، يصبح استقلال القضاء جزءا من حماية الضباط والجنود الشخصية، وحين يضعف التحقيق الداخلي، تفتح أبواب المحاكم الخارجية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا