لم يكن أكثر ما آلمني خلال زيارتي الأخيرة لكلية التربية بجامعة عدن هو هدوء المبنى أو خلو الممرات، بل ذلك الصمت الذي يخفي وراءه أزمة وطنية حقيقية تهدد مستقبل التعليم في اليمن.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي التحقت بكلية التربية، وكانت يومها واحدة من أكثر كليات الجامعة ازدحامًا بالطلاب، اخترت قسم الفيزياء، ورغم أنه كان من أصعب الأقسام العلمية وأقلها إقبالًا مقارنة بغيره، فقد ضمت دفعتنا قرابة ثمانين طالبًا وطالبة، توزعوا على شعبتين، أما بقية الأقسام، فكانت تشهد منافسة كبيرة، حتى إن الالتحاق بها كان يتطلب اجتياز اختبارات قبول بسبب كثرة المتقدمين.
كانت الكلية تعمل بنظام الفترتين الصباحية والمسائية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، وكانت الحركة العلمية لا تتوقف طوال اليوم، في مشهد يعكس المكانة الرفيعة التي كانت تحظى بها مهنة التعليم، وإيمان المجتمع بأن بناء الأوطان يبدأ من إعداد المعلم.
لكن المشهد اليوم مختلف تمامًا.
عندما عدت إلى الكلية لحضور مناقشة علمية لأحد الزملاء، وجدتها شبه خالية، رغم أن الوقت كان في بداية الدوام الرسمي، للحظة، عدت بذاكرتي إلى سنوات الدراسة التي قضيت فيها أربع سنوات في البكالوريوس، وسنتين في الماجستير، وثلاث سنوات في الدكتوراه، عندما كانت القاعات تغص بالطلاب، والأساتذة يتنقلون بين المحاضرات، والكلية تنبض بالحياة.
سألت عن قسم الفيزياء، فجاءني الجواب صادمًا، لم يتخرج هذا العام سوى طالبتين فقط، ثم توقف الالتحاق بالقسم، ولم تقتصر الأزمة على الفيزياء، بل إن أقسامًا عريقة مثل التاريخ والجغرافيا توقفت برامج البكالوريوس فيها منذ سنوات بسبب عزوف الطلاب عن الالتحاق بها، والأمر لا يقتصر على جامعة عدن، بل أصبح واقعًا تعيشه معظم كليات التربية في الجامعات الحكومية، مع تراجع ملحوظ في الإقبال على عدد من التخصصات الأخرى.
إن هذا التراجع ليس مجرد انخفاض في أعداد المقبولين، بل مؤشر خطير على أزمة تتفاقم عامًا بعد آخر، فقد أدت سنوات الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع قيمة الرواتب، وضعف المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمعلم، إلى عزوف الشباب عن مهنة كانت في يوم من الأيام من أشرف المهن وأكثرها احترامًا.
إننا اليوم لا نخسر مقاعد دراسية فحسب، بل نخسر أجيالًا من المعلمين الذين سيحملون رسالة التعليم في المستقبل.
وإذا استمر هذا الواقع، فسنواجه خلال سنوات قليلة نقصًا حادًا في المعلمين المؤهلين، وستتراجع جودة التعليم بصورة أكبر، وستتسع فجوة الأمية، وستنعكس آثار ذلك على التنمية والاستقرار وبناء الإنسان.
إن إنقاذ كليات التربية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة، ويتطلب ذلك إعادة الاعتبار للمعلم، وتحسين أوضاعه المعيشية، وتوفير الحوافز التي تشجع الشباب على الالتحاق بكليات التربية، واعتبار الاستثمار في إعداد المعلم أولوية لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي آخر.
فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى أولًا بالمعلم الذي يصنع العقول، ويغرس القيم، ويؤسس لمستقبل الأجيال.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع:
إذا استمرت قاعات كليات التربية خالية اليوم... فمن سيقف غدًا أمام السبورة ليعلّم أبناءنا!؟
المصدر:
عدن الغد