في هذا السياق، يمثل دونالد ترامب، من وجهة نظر كثير من المراقبين، نموذجاً لنهج يقوم على لغة الإكراه والضغط المباشر أكثر من اعتماده على التفاهمات الدبلوماسية. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من حضوره السياسي على خطاب القوة يرى أن التهديد الصريح قد يحقق نتائج أسرع من التفاوض الطويل، إلا أن هذا الأسلوب يصطدم أحياناً بواقع سياسي وثقافي مختلف لدى بعض الخصوم، وفي مُقَدَّمِهم إيران.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، تشكلت الهوية السياسية للنظام الإيراني حول مفاهيم الصمود والتضحية ومقاومة الضغوط الخارجية. وقد ساهمت الحرب العراقية الإيرانية والعقوبات الممتدة لعقود وسلسلة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات عسكرية وسياسية وعلمية إيرانية في ترسيخ سردية داخلية تعتبر أن الجمهورية الإسلامية نشأت واستمرت رغم التحديات الكبرى. ولذلك فإن التهديدات الأمريكية، مهما بلغت حدتها، لا تُقرأ داخل الخطاب الإيراني الرسمي باعتبارها عاملاً كافياً لإحداث تراجع سياسي أو استراتيجي.
ومن هذا المنطلق، يؤكد المدافعون عن الموقف الإيراني أن استهداف القادة أو التلويح بملاحقتهم لا يؤدي إلى كسر إرادة الدولة، بل يرسخ قناعتها بأنها تواجه مشروعاً يستهدف استقلال قرارها السياسي. وتستند هذه الرؤية إلى ثقافة سياسية ودينية تستحضر باستمرار رموز الصبر والتضحية في التاريخ الإسلامي، وتعتبر أن التراجع تحت الضغط الخارجي يحمل كلفة معنوية أكبر من تحمل العقوبات أو المواجهة.
أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فإن إيران تنظر إليه بوصفه جزءاً من محيطها الاستراتيجي وركناً أساسياً من حقوقها السيادية المرتبطة بأمنها القومي وموقعها الجغرافي. ومن هذا المنظور، لطهران الحق في تنظيم البيئة الأمنية للمضيق وحماية مصالحها فيه، خصوصاً في ظل التهديدات والضغوط الخارجية المستمرة. في المقابل، ترفع الولايات المتحدة شعار حماية حرية الملاحة الدولية، غير أن منتقدي سياساتها يرون أن هذا الشعار يُستخدم بصورة انتقائية تخضع لحسابات المصالح الأمريكية أكثر مما يستند إلى مبادئ ثابتة، مستشهدين بسجل طويل من العقوبات والإجراءات القسرية والضغوط البحرية التي استهدفت دولاً وجهات مختلفة وفقاً لأولويات واشنطن السياسية.
ومن هنا يتجاوز الخلاف مجرد نقاش قانوني حول الملاحة البحرية، ليعكس صراعاً أوسع بين رؤية إيرانية تؤكد حقها السيادي في محيطها الإقليمي، ورؤية أمريكية تتهمها طهران وغيرها بالسعي إلى فرض هيمنتها على الممرات الاستراتيجية تحت غطاء حماية النظام الدولي.
لقد أظهرت التجارب السابقة أن سياسة الضغوط القصوى التي تبنتها إدارة ترامب لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة تجاه إيران.
وفي النهاية، فإن أي مقاربة تعتمد حصراً على التهديد والوعيد تحمل في داخلها حتمية الوصول إلى طريق مسدود، خصوصاً عندما تواجه دولة بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها السياسية على فكرة المقاومة وعدم الانصياع للضغوط الخارجية. ولهذا فإن استمرار لغة القوة المتبادلة قد يفاقم التوترات ويزيد احتمالات المواجهة، بينما يبقى الحل الأكثر استقراراً رهناً بقدرة الأطراف المختلفة على العودة إلى منطق السياسة والتفاوض.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية