آخر الأخبار

ملفات وتحقيقات - حين أكلت السلطة المشروع.. قراءة سياسية في أسباب تعثر تجربة المجلس الانتقالي

شارك

في التاريخ السياسي لا توجد مشاريع تسقط فجأة، ولا تنهار القوى الكبرى بقرار أو حدث منفرد أو نتيجة خصومة سياسية عابرة، بل تتآكل من الداخل تدريجياً، تبدأ بخسارة الفكرة، ثم تفقد القدرة على الإقناع، ثم تدخل مرحلة الدفاع عن بقائها أكثر من قدرتها على قيادة الناس. وهذا ما يراه قطاع من المراقبين والخصوم السياسيين أنه حدث للمجلس الانتقالي خلال السنوات الماضية. فالمجلس الذي خرج في لحظة سياسية استثنائية، مستفيداً من حالة غضب عامة وتراجع الدولة والحرب والانهيار الاقتصادي، لم يكن مجرد تنظيم سياسي تقليدي، بل ظهر باعتباره مشروعاً كاملاً يحمل وعوداً كبرى بإعادة تشكيل الواقع السياسي والإداري في الجنوب. غير أن السنوات التي تلت ذلك وضعت هذا المشروع أمام اختبار السلطة، وهنا بدأت الأزمة الحقيقية.

عندما ظهر المجلس الانتقالي كان الخطاب العام يدور حول استعادة القرار السياسي، بناء مؤسسات جديدة، إنهاء الفساد، خلق نموذج إداري مختلف، وتقديم إدارة أكثر قرباً من الناس وأكثر قدرة على التعامل مع الأزمات. لكن الانتقال من المعارضة إلى السلطة دائماً يكشف الفارق بين القدرة على الحشد والقدرة على الإدارة. فالمعارضة تستطيع أن ترفع سقف المطالب بلا حدود، بينما السلطة تقاس يومياً بالكهرباء والمياه والمرتبات والأمن والاقتصاد. ومع مرور الوقت بدأت فجوة واسعة تتشكل بين الخطاب الذي يَعِد والواقع الذي يضغط.

في عدن تحديداً، لم يعد المواطن يقيس المواقف السياسية بالبيانات والخطابات، بل بمستوى حياته اليومية. الناس التي كانت تنتظر نموذجاً جديداً وجدت نفسها أمام واقع معقد: كهرباء متعثرة، خدمات مرتبكة، تراجع في القوة الشرائية، بطالة متزايدة، ومؤسسات حكومية لا تزال عاجزة عن استعادة فعاليتها. لم تكن المشكلة أن الأوضاع سيئة فقط، فالجميع يعرف أن الحرب تركت بلداً مدمراً، لكن الأزمة كانت أن المشروع الذي جاء باعتباره البديل لم ينجح في تقديم صورة مختلفة بصورة كافية. هنا بدأ التآكل الحقيقي؛ لأن المواطن لا يمنح الشرعية السياسية للأفكار وحدها، بل للنتائج.

إلى جانب أزمة الإدارة، ظهرت مع مرور الوقت مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسات. فقد توسع الحضور الأمني والعسكري بصورة كبيرة مقابل بطء واضح في بناء المؤسسات المدنية. ومع الوقت، بدأت تتشكل صورة لدى قطاع من الشارع بأن القوة أصبحت تدير السياسة بدلاً من أن تحميها، وأن القرار التنفيذي لم يعد واضح الحدود بين الدولة والتشكيلات النافذة. هذه الصورة، سواء كانت دقيقة بالكامل أو لا، تركت أثراً سياسياً كبيراً؛ لأن أي مشروع يطرح نفسه كمشروع دولة لا يستطيع الاستمرار طويلاً إذا شعر الناس أن مؤسسات الدولة أصبحت أقل حضوراً من مراكز النفوذ.

ومن الملفات التي ألحقت ضرراً بالغاً بصورة التجربة أيضاً ملف الحقوق والحريات. خلال السنوات الماضية ظهرت اتهامات متكررة من جهات حقوقية وإعلامية حول الاعتقالات والاحتجاز خارج الإجراءات القانونية ووجود ممارسات أثارت جدلاً واسعاً. وبصرف النظر عن الجدل حول حجم هذه الاتهامات أو الجهة المسؤولة عنها، فإن استمرار وجود هذا الملف في المشهد العام أوجد انطباعاً خطيراً: كيف يمكن لمشروع يتحدث باسم الدولة أن يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بمفاهيم العدالة وسيادة القانون؟ في التجارب السياسية الحديثة، لا يكفي أن تكون لديك قضية عادلة أو جمهور واسع، بل يجب أن تنجح أيضاً في إقناع الداخل والخارج أن نموذج الحكم الذي تطرحه أكثر عدالة من البديل.

لكن ربما الملف الأكثر حساسية وتأثيراً على المزاج الشعبي كان ملف الأراضي والثروة والنفوذ الاقتصادي. فالمدن الخارجة من الحرب تحتاج إلى إعادة إعمار وثقة عامة وشعور بأن الموارد ستدار بعدالة. غير أن تصاعد الحديث خلال السنوات الماضية عن الاستحداثات والتصرفات العقارية والنفوذ الاقتصادي خلق انطباعاً لدى كثيرين بأن النفوذ السياسي بدأ يتحول تدريجياً إلى نفوذ اقتصادي. وفي كل التجارب السياسية تقريباً، لا شيء يسرّع تراجع أي سلطة أكثر من شعور الناس أن السلطة لم تعد مشروعاً عاماً بل أصبحت أداة لإعادة توزيع الامتيازات.

ثم جاءت أزمة التمثيل السياسي لتعمق التعقيد أكثر. فمن أبرز الانتقادات التي وُجهت للمجلس خلال السنوات الماضية أنه لم ينجح في التحول إلى مظلة جامعة لكل القوى والتيارات والمناطق، وأن جزءاً من النخبة السياسية والاجتماعية بدأ يشعر تدريجياً بأن مساحة المشاركة أضيق مما كان متوقعاً. هذه النقطة ليست مجرد خلاف سياسي عادي، بل أزمة بنيوية؛ لأن أي مشروع يقوم على فكرة التمثيل إذا واجه اتهامات بالإقصاء أو احتكار القرار فإنه يدخل تلقائياً في تناقض مع الفكرة التي تأسس عليها. فالقوة تستطيع فرض النفوذ، لكنها لا تستطيع إنتاج قبول دائم.

كما أن ملف الفساد المالي كان من أكثر الملفات استنزافاً للصورة العامة. ففي بداية أي مشروع سياسي تكون شرعيته الأخلاقية جزءاً من قوته الأساسية، لكن عندما تبدأ الأسئلة حول المال والموارد والإنفاق والامتيازات فإن المشروع يفقد تدريجياً ميزة التفوق الأخلاقي التي قام عليها. وعندما يصل الناس إلى قناعة – صحيحة أو خاطئة – بأن السلطة الجديدة بدأت تشبه السلطة التي جاءت لإسقاطها، تبدأ الثقة بالتراجع بوتيرة سريعة.

وفي العمق، ربما كانت الأزمة الأكبر أن المشروع دخل السلطة قبل أن يكتمل تحوله إلى دولة. بقي يحمل عقلية الحركة السياسية لكنه وجد نفسه يدير مؤسسات وموارد وأزمات معقدة تحتاج إلى دولة كاملة. وهنا ظهر التناقض الكبير: الخطاب ظل ثورياً بينما الواقع يتطلب إدارة يومية هادئة وقادرة على بناء التوافقات. ومع الوقت، بدأت السلطة تستهلك المشروع بدلاً من أن يبني المشروع السلطة.

لهذا فإن القراءة السياسية النقدية لتجربة المجلس لا تقول إن المشكلة كانت في الفكرة بحد ذاتها، بل في إدارة الفكرة عندما تحولت إلى سلطة. فالتاريخ لا يحاسب القوى على ما وعدت به، بل على ما أنجزته. والناس لا تتذكر عدد الخطب والبيانات، بل تتذكر ماذا حدث في حياتها اليومية. وفي النهاية، فإن أي مشروع سياسي مهما امتلك من شعبية أو قوة أو دعم لن يستطيع الاستمرار إذا خسر ثلاثة عناصر معاً: الإدارة الجيدة، العدالة، والشراكة الواسعة.

عدن الغد المصدر: عدن الغد
شارك

الأكثر تداولا لبنان أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا