في الثاني والعشرين من مايو/أيار 1990، أُعلنت الوحدة اليمنية بوصفها أكبر مشروع وطني في التاريخ اليمني الحديث، بعد عقود من الانقسام السياسي والجغرافي بين شطري البلاد. يومها، بدا الحدث تتويجًا لحلم يمني قديم تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والصراعات الحدودية، وفتح الباب أمام دولة موحدة تمتلك مقومات بشرية وجغرافية واستراتيجية كبيرة.
لكن بعد مرور 36 عامًا، تبدو صورة الوحدة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؛ إذ لم تعد مجرد مناسبة احتفالية أو حدث تاريخي، بل تحولت إلى ملف سياسي وعسكري واجتماعي يرتبط مباشرة بمستقبل الدولة اليمنية نفسها، في ظل حرب طويلة، وتدخلات إقليمية، وتحولات عميقة في موازين القوى.
الوحدة بين الحلم والواقع
دخل اليمنيون الوحدة عام 1990 بحالة توافق وطني نادرة نسبيًا، مدفوعة بمتغيرات إقليمية ودولية، أبرزها انهيار المعسكر الاشتراكي، والأزمات الاقتصادية، ورغبة القيادتين حينها في بناء دولة موحدة.
غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن الوحدة السياسية لم تُستكمل ببناء مؤسسات دولة عادلة وقادرة على استيعاب التعدد السياسي والاجتماعي. وبدلًا من ترسيخ شراكة وطنية متوازنة، بدأت تتشكل اختلالات في توزيع السلطة والثروة والنفوذ، ما أدى إلى تصاعد التوترات وصولًا إلى حرب صيف 1994، التي شكّلت أول شرخ كبير في الوعي الوطني تجاه مشروع الوحدة.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت قطاعات من اليمنيين، خصوصًا في الجنوب، تنظر إلى الوحدة من زاوية نتائجها السياسية والاقتصادية، لا من زاوية رمزيتها الوطنية فقط.
الحرب الحوثية وإعادة تعريف الوحدة
أعادت الحرب التي اندلعت بعد انقلاب جماعة الحوثي الإرهابية عام 2014 صياغة مفهوم الوحدة في الوعي اليمني. فبالنسبة لقطاع واسع من اليمنيين، أصبحت المعركة الأساسية تتمثل في الحفاظ على الدولة الجمهورية ومنع انهيار الكيان الوطني بالكامل، وليس فقط الحفاظ على صيغة الوحدة التقليدية.
ومع تمدد الحوثيين عسكريًا وسيطرتهم على مؤسسات الدولة في صنعاء، تحوّل مفهوم “الوحدة” لدى كثيرين من مشروع سياسي إلى معركة وجودية مرتبطة باستعادة الدولة ومنع تفكك البلاد إلى كيانات متصارعة.
في المقابل، دفعت الحرب أيضًا إلى تنامي مشاريع وهويات محلية ومناطقية، بعضها يطالب بالفيدرالية الواسعة، وبعضها يتبنى خيار الانفصال الكامل، مستندًا إلى تراكمات سياسية وحروب سابقة وفشل الدولة المركزية.
خروج الإمارات وتحولات المشهد العسكري
شكّل تقليص الإمارات وجودها العسكري المباشر في اليمن نقطة تحول مهمة في المشهد اليمني، خصوصًا في الجنوب والساحل الغربي، حيث كانت أبوظبي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل ودعم قوى عسكرية محلية متعددة.
وخلال السنوات الماضية، كان أحد أبرز الانتقادات الموجهة للتحالف العربي يتمثل في تعدد التشكيلات المسلحة وتباين ولاءاتها، الأمر الذي انعكس على بنية المؤسسة العسكرية وعلى مفهوم الدولة نفسها.
لكن التطورات الأخيرة، ومحاولات إعادة تنظيم القوات المسلحة تحت إطار وزارة الدفاع ورئاسة مجلس القيادة الرئاسي، أعادت طرح فكرة “توحيد القرار العسكري” باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستعادة الدولة وإنهاء حالة التشظي.
ويرى مراقبون أن نجاح أي مشروع وطني مستقبلي في اليمن سيظل مرتبطًا بوجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تتجاوز الولاءات المناطقية والحزبية، وتعمل ضمن عقيدة جمهورية واضحة.
البعد السعودي والعربي
لا يمكن قراءة ذكرى الوحدة اليوم بمعزل عن الدور السعودي والعربي في اليمن. فمنذ بداية الحرب، أصبحت الرياض اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيرًا في الملف اليمني، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
وخلال السنوات الأخيرة، بدا أن المقاربة السعودية تتجه تدريجيًا من إدارة الحرب إلى محاولة إنتاج تسوية طويلة المدى تحفظ الحد الأدنى من استقرار اليمن والمنطقة.
وفي هذا السياق، برزت مسألة إعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية، بما فيها المؤسسة العسكرية، باعتبارها أولوية تتجاوز الحسابات المرحلية.
كيف ينظر اليمنيون اليوم إلى الوحدة؟
لم يعد هناك تصور يمني واحد للوحدة كما كان في التسعينيات. فالنظرة إليها اليوم تتوزع بين عدة اتجاهات:
ورغم هذا التباين، فإن القاسم المشترك بين معظم اليمنيين يتمثل في الإرهاق العميق من الحرب، والرغبة في الوصول إلى دولة مستقرة وعادلة، أيًا كان شكلها النهائي.
الوحدة كمشروع دولة لا كشعار
بعد 36 عامًا، يبدو أن الدرس الأهم في التجربة اليمنية هو أن الوحدة لا تُقاس فقط بوجود علم واحد أو سلطة مركزية، بل بقدرة الدولة على تحقيق العدالة والشراكة وسيادة القانون.
فالدول لا تستمر بالشعارات وحدها، بل ببناء مؤسسات حقيقية يشعر المواطن داخلها بالمساواة والانتماء والأمان.
ولهذا، فإن مستقبل الوحدة اليمنية — بأي صيغة قادمة — سيظل مرهونًا بقدرة اليمنيين على إنتاج عقد وطني جديد يعالج أخطاء الماضي، ويمنع إعادة تدوير الصراعات نفسها تحت عناوين مختلفة.
بين الرمزية والأزمة
رغم كل الخلافات، ما تزال الوحدة اليمنية تحتفظ بقيمة رمزية كبيرة لدى قطاعات واسعة من اليمنيين، باعتبارها تعبيرًا عن الهوية والتاريخ المشترك.
لكن في المقابل، فإن استمرار الحرب والانقسامات وضعف مؤسسات الدولة جعل كثيرين يرون أن الحفاظ على أي صيغة وطنية مشتركة يتطلب أولًا معالجة جذور الأزمة السياسية وبناء عقد وطني جديد يقوم على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.
ولهذا، فإن نظرة اليمنيين للوحدة اليوم لم تعد نظرة احتفالية بسيطة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق:
كيف يمكن بناء دولة عادلة ومستقرة يتفق اليمنيون على الانتماء إليها؟ سواء كانت وحدة إندماجية أو وحدة أقاليم ..
المصدر:
مأرب برس