آخر الأخبار

هرمز .. بين خطابات ترامب الاستعراضية وتكتيكات الردع الإيرانية

شارك

الرواية الأمريكية تصر دائماً على صورة "الهيمنة المطلقة": المدمرات تعبر، الطائرات تحلق، والخصوم يتساقطون كأوراق الخريف. لكن ما يغفله ترامب عمداً هو أن تكرار الاشتباكات في مضيق هرمز خلال فترة قصيرة يكشف عكس ما يريد إظهاره تماماً. فالقوة الواثقة لا تحتاج كل مرة إلى إعلان "نصر ساحق" بعد كل مواجهة بحرية محدودة. الإمبراطوريات الحقيقية لا تكتب الشعر عن نجاتها من الصواريخ. وحين يصبح مجرد عبور سفن حربية لممر مائي ضيق حدثاً يستحق خطاباً احتفالياً، فهذا بحد ذاته إشارة إلى حجم القلق من البيئة التي تتحرك فيها تلك السفن.

المفارقة الأكثر سخرية أن الولايات المتحدة التي تنفق مئات المليارات على حاملات الطائرات والمدمرات ومنظومات الدفاع، تجد نفسها في مواجهة خصم يعتمد على زوارق سريعة وطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة وصواريخ غير متماثلة. ورغم الفارق الهائل في الميزانيات، لا تستطيع واشنطن الادعاء بأنها فرضت هدوءاً مطلقاً في الخليج. بل على العكس، كل تحرك أمريكي هناك يبدو محاطاً بحسابات التهديد والردع والتأهب المستمر. الحديث المتكرر عن "إسقاط المسيّرات بسهولة" يشبه إلى حد بعيد المدير الذي يكرر لموظفيه أنه "يسيطر على الوضع" بينما نصفهم غائبون.

أما الغياب اللافت لحاملة الطائرات جيرالد فورد عن مشهد الاستعراض، فهو تفصيل لا يقل دلالة. فهذه الحاملة التي قُدمت لسنوات كرمز للتفوق البحري الأمريكي المطلق، تحولت مع الوقت إلى رمز مكلف للمشاكل التقنية والتشغيلية والتعقيدات اللوجستية. صورة "الحصن العائم الذي لا يُقهر" لم تعد تقنع كثيرين، خصوصاً في بيئة مثل الخليج، حيث تكفي مسيّرات وصواريخ رخيصة لفرض معادلات استنزاف وقلق دائم على أعتى القطع البحرية في العالم.

وفي المقابل، تدرك إيران جيداً أن معركتها الأساسية ليست تدمير الأسطول الأمريكي، بل إثبات قدرتها على تعطيل فكرة السيطرة المطلقة نفسها. ولهذا يبدو مشهد صعود القوات البحرية الإيرانية إلى السفينة في خليج عُمان أكثر أهمية رمزية من عشرات التصريحات الأمريكية. فبينما كانت واشنطن تتحدث عن "جدار فولاذي" وحصار محكم، كانت طهران تنشر تسجيلات لعناصرها وهم يعتلون سطح سفينة ويقتادونها إلى السواحل الإيرانية أمام أعين العالم. الرسالة هنا ليست مجرد احتجاز سفينة؛ الرسالة أن إيران تريد القول إنها لا تزال قادرة على فرض إرادتها في الممر البحري الأكثر حساسية للطاقة العالمية، وأن المياه التي تتباهى أمريكا بحمايتها ليست فضاءً مغلقاً أمام النفوذ الإيراني كما تحاول البيانات العسكرية تصويره.

اللافت أيضاً أن الخطاب الإيراني يعتمد على صور ووقائع ميدانية مباشرة: زورق يقترب، مروحية تحلق، قوات تصعد إلى السفينة، وسفينة تُقاد إلى الميناء. بينما يعتمد خطاب ترامب على اللغة المسرحية الاستعراضية الثقيلة: "المجانين"، "العنف الأعظم"، "الفراشات التي تهوي إلى قبورها". كأن واشنطن تحاول الانتصار بلاغياً حين يصبح الانتصار الاستراتيجي الكامل أكثر تعقيداً مما تعترف به علناً.

في النهاية، لا تزال الولايات المتحدة تتحدث بعقلية التسعينيات، كأن حاملات الطائرات وحدها تكفي لإخضاع الجغرافيا، بينما تُظهر الأحداث أن الخليج اليوم تحكمه معادلات الاستنزاف والردع المتبادل أكثر من فكرة الهيمنة الساحقة. ووسط هذا كله، يبدو ترامب كمن يقف على سطح سفينة تهتز بالأمواج، رافعاً مكبر صوت، ومصرّاً على أن الجمهور يصفق له بينما الجميع منشغل بالنظر إلى المياه المضطربة من حوله.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا