آخر الأخبار

لماذا تراجع ترامب عن "مشروع الحرية" بعد 48 ساعة فقط من إطلاقه ؟

شارك

جاء هذا الإعلان المفاجئ بعد أقل من 48 ساعة من التدشين الصاخب للمشروع، ليكشف عن إخفاق استراتيجي أمريكي مدوٍ، فرضته وقائع ميدانية صلبة وموازين قوى جديدة فرضتها طهران في هذا الممر المائي الحيوي.

عندما أعلن ترامب "مشروع الحرية"، بدا المشهد مهيباً ومحفوفاً بالمخاطر؛ فقد تحدثت تقارير البنتاغون عن حشد عسكري هو الأضخم في المنطقة منذ سنوات، شمل أكثر من 100 طائرة برية وبحرية، ومدمرات مزودة بصواريخ موجهة، ومنصات غير مأهولة متعددة المجالات، و15 ألف عسكري، وذلك في محاولة لانتزاع السيطرة على ممر مائي ظل محكوماً بإرادة إيران منذ اندلاع الحرب.

كان الهدف المعلن هو تحقيق انتصار امريكي لما يقرب من 1550 سفينة تجارية وعلى متنها 22,500 بحار، تقطعت بهم السبل في الخليج بعد أن أغلقت طهران المضيق رداً على الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية. بيد أن كل هذا الحشد لم يفلح في تغيير المعادلة على الأرض.

لقد تحطم "مشروع الحرية" على صخرة الدفاعات الإيرانية متعددة الطبقات، ليكشف البنتاغون عن حصيلة هزيلة ومخزية، إذ لم تتمكن القوات الأمريكية من تأمين عبور أي سفن.

تؤكد البيانات الميدانية أن طهران لم تكتفِ بمنع العبور، بل وسعت مناطق سيطرتها البحرية لتشمل مساحات شاسعة قبالة سواحل الإمارات، وهاجمت المدمرات الأمريكية والسفن التجارية على حد سواء، في استعراض للقدرة على الردع دون تردد.

وبدلاً من تأمين ممر آمن، أشعلت المبادرة فتيل تصعيد خطير؛ إذ أقرت البحرية الأمريكية بأن مدمراتها تعرضت لإطلاق نار كثيف، بينما قصفت طهران بوابل من الصواريخ والمسيرات مواقع ومنشآت داخل دولة الإمارات العربية المتحدة.

هذا الفشل الذريع ليس الأول من نوعه في مغامرات الإدارة الأمريكية الحالية؛ إنه يعيد إلى الأذهان بشكل شبه متطابق كواليس عملية "أصفهان"، تلك المهمة التي قدمتها واشنطن على أنها "عملية بحث وإنقاذ" لأحد طياريها، قبل أن تتكشف خيوطها على أنها محاولة أمريكية فاشلة لسرقة اليورانيوم الإيراني المخصب.

آنذاك، تحدثت طهران عن "عملية خداع" استهدفت قلب برنامجها النووي، مستندة إلى فجوات جغرافية بين موقع الطيار المزعوم وموقع إنزال القوات الأمريكية الذي كان أقرب بكثير إلى المنشآت النووية الحساسة في أصفهان. وكما عجل فشل عملية أصفهان بقبول ترامب لوقف إطلاق النار الهش في الثامن من أبريل الماضي، يبدو أن فشل "مشروع الحرية" يسير على النهج نفسه، دافعاً واشنطن مجدداً إلى زاوية التفاوض.

لم يعد خافياً أن حسابات الربح والخسارة في واشنطن قد انقلبت رأساً على عقب. فالخيار العسكري الذي اختبره ترامب في هرمز أثبت تكلفته الباهظة واستحالة تحقيقه عملياً.

إن فتح المضيق عملية ستستغرق، وفقاً لتقديرات الخبراء، شهوراً إن لم يكن سنوات، مصحوبة بخسائر عسكرية وبشرية فادحة، والأخطر من ذلك أنها ستدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة ستهز الاقتصاد العالمي الهش أساساً.

هذه المعادلة الصعبة تجعل من التسوية مع إيران، حتى لو تضمنت تقديم تنازلات، خياراً أقل كلفة وأكثر عقلانية بكثير من مغامرة عسكرية عالية المخاطر وغير مضمونة العواقب كما أن قبول واشنطن بنظام العبور الذي تفرضه طهران، وما يعنيه من تحصيل رسوم وتثبيت للسيطرة الإيرانية على الشريان الرئيسي للطاقة العالمية، سيبدو في حسابات البيت الأبيض مجرد قطرة في بحر الخسائر الكارثية التي قد تنجم عن حرب مفتوحة.

علاوة على ذلك توجد أجنحة راسخة داخل البنتاغون، وتحديداً في هيئة الأركان المشتركة وفي مكاتب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، تدرك تمام الإدراك أن أي مواجهة شاملة في مضيق هرمز ستحول الخليج بأكمله إلى منطقة معطلة وخارج الخدمة لسنوات طويلة، وليس لأشهر فقط كما يُروّج للرأي العام.

هذه الأجنحة تمتلك من الخبرة المتراكمة والدراسات الميدانية ما يجعلها تنظر إلى هرمز كشرك استراتيجي هائل، قادر على إشعال أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة. فالأمر لا يتوقف عند الارتفاع الجنوني لأسعار النفط الذي قد يتجاوز كل السوابق التاريخية، بل يمتد إلى تعطيل كامل لسلاسل التجارة العالمية، واختناق اقتصادي خانق، وانهيار في أسواق المال قد لا يقل حدة عما شهدته الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

كل هذه المعطيات كانت حاضرة بقوة في ذهن القيادات العسكرية الحقيقية، وكانت تشكل خطاً أحمرَ منع الرؤساء الأمريكيين السابقين، على اختلاف توجهاتهم، من الانزلاق إلى مغامرة العدوان المباشر على إيران، مهما بلغت درجة الاستفزاز أو الضغوط السياسية الداخلية والخارجية.

هذا الإدراك العميق داخل أروقة البنتاغون هو، وبكل وضوح، المفتاح الحقيقي لفهم التراجعات السريعة والمفاجئة للرئيس ترامب، والتي يحار في تفسيرها كثير من المراقبين.

فرغم الضغوط اليمينية الهائلة عليه في الداخل، والتي تتغذى على خطاب المواجهة والتصفية، ورغم الضغوط المتواصلة القادمة من قلب إسرائيل التي ترى في الفوضى الإقليمية فرصة لإعادة رسم الخرائط، ورغم الإغراءات والتطمينات من بعض العواصم العربية التي راهنت على الحسم العسكري، فإن ترامب يتراجع في اللحظات الأخيرة بل هو نتاج مباشر للمخاوف الاستراتيجية داخل مؤسسته العسكرية، الذي يذكره في كل مرة بأن ثمن فتح هرمز بالقوة لن يدفعه وحده، بل سيدفعه العالم كله، وأن فاتورة الحرب لن تقتصر على ميزانية البنتاغون، بل ستمتد إلى جيب كل مواطن أمريكي وإلى استقرار الكوكب بأسره.

وسط هذا المشهد، لم يعد الضغط على ترامب لمواصلة الحرب أو إيقافها مقتصراً على لوبيات معروفة، بل تشير معلومات استخباراتية ومصادر دبلوماسية إلى ظهور لاعب إقليمي جديد منخرط بقوة في هذا الضغط. فإلى جانب إسرائيل، التي لا يخفي رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تفضيله للحسم العسكري، يبدو أن دولة عربية خليجية على الأقل قد انضمت إلى جوقة المطالبين بعدم إيقاف آلة الحرب.

هذه الدولة، التي وجدت نفسها فجأة في مرمى الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي طالت منشآتها المدنية وناقلاتها النفطية، تدفع اليوم ضريبة انخراطها في هذا التحالف المستجد. وهي الآن تواجه خطر تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ما يجعل اندلاع معارك شاملة بمثابة تهديد وجودي مباشر لها.

في المحصلة، لا يمكن قراءة إلغاء "مشروع الحرية" بمعزل عن المشهد الكلي الذي يعكس تحولاً في ميزان القوى الإقليمي. لقد نجحت إيران في تثبيت نظام سيطرة لا يمكن تجاوزه على مضيق هرمز، وأثبتت بالممارسة العملية أنها قادرة على ردع أعتى قوة عسكرية في العالم.

لقد تحول هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية في يد طهران. وهكذا، ومع فشل الرهان على القوة، ومع ارتفاع منسوب الخطر الذي يهدد حلفاء واشنطن في الإقليم، يصبح التمديد القادم لوقف إطلاق النار أو التوصل إلى اتفاق سياسي شامل مصلحة أمريكية ملحة وضرورة وجودية لتفادي الانهيار الشامل.

- عرب جورنال



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا