آخر الأخبار

عواصف الخليج وسراب الحماية : هل سقطت أكذوبة المظلة الأمنية الأمريكية ؟

شارك

الهجمات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت ميناء الفجيرة الإماراتي ومواقع حيوية أخرى منتصف الأسبوع، لم تكن مجرد خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، بل كانت لحظة الحقيقة المرة للدول التي تستضيف القواعد الأمريكية، فبينما كانت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية تعطل حركة الملاحة الجوية وتغلق المرافق الحكومية، كان رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتسم ببرود مريب، واصفاً الهجمات بأنها "محدودة".

هذا التخاذل الأمريكي أعاد إلى الأذهان المقولة الشهيرة التي رددها القادة الإيرانيون مؤخراً: "من يتغطى بالأمريكي عارٍ"، فالدول التي فتحت أراضيها للقواعد العسكرية الضخمة، ظناً منها أنها تشتري "تأميناً" ضد التهديدات الخارجية، اكتشفت أنها لم تجلب لنفسها سوى "لوحة تصويب" جغرافية. وبدلاً من أن تكون هذه القواعد رادعاً، تحولت إلى عبء أمني يجعل الدول المضيفة في مرمى النيران الإيرانية، دون أن تتحرك الترسانة الأمريكية المتمركزة على أراضيها للدفاع عن المضيفين.

تشير المعطيات الميدانية منذ اندلاع المواجهة في مارس الماضي إلى أن الولايات المتحدة استخدمت منطقة الخليج كمنصة لانطلاق عملياتها ومصالحها الاستراتيجية، لكنها تنصلت من التزاماتها بمجرد أن بدأ الرد الإيراني يستهدف الشركاء الإقليميين، فالإمارات العربية المتحدة، التي تعرضت لهجمات بمئات الصواريخ والمسيّرات، تجد نفسها اليوم أمام واقع مرير، حيث أن واشنطن حريصة على الخروج من ورطتها في الحرب مع طهران، حتى لو كان الثمن هو ترك حلفائها يواجهون قدرهم بمفردهم.

ويقول محللون إن الاستراتيجية التي يتبعها ترامب ليست سوى انعكاس لسياسة "أمريكا أولاً"؛ حيث يتم التضحية بأمن الحلفاء مقابل تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تؤثر على الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن.. مؤكدين أن هذا السلوك عزز القناعة لدى حلفاء أمريكا وخاصة الدول الخليجية، بأن الوعود الأمريكية بالحماية لم تكن سوى وسيلة لتوسيع النفوذ العسكري، والسيطرة على القرار السياسي، وضمان تدفق الصفقات العسكرية المليارية التي تبين أنها غير ذات جدوي في أي مواجهة

في المقابل، تبدو طهران اليوم أكثر جرأة في استغلال هذا التردد الأمريكي، وقد انعكس ذلك في تصريحات رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، التي أكد فيها أن "استمرار الوضع الراهن غير قابل للتحمل بالنسبة لأمريكا"، وهو ما يشير إلى ثقة إيرانية بأن واشنطن فقدت شهيتها للقتال، كما يرى القادة في طهران أن زمن "الصبر الاستراتيجي" قد انتهى، وبدأت مرحلة فرض قواعد اشتباك جديدة تكون فيها الدول الخليجية هي من يدفع ثمن المغامرات الأمريكية-الإسرائيلية، ما دامت قد جعلت من أراضيها قاعدة لانطلاق الهجمات العدائية على إيران.

ويثير هذا النهج تساؤلات وجودية بشأن ما إذا كانت القواعد الأمريكية المنتشرة حول العالم تمثل حماية للدول المضيفة أم خطراً عليها،فمن وجهة نظر الخبراء العسكريين، فإنه إذا لم توفر القاعدة الأمريكية الحماية لحظة تعرض الدولة المضيفة للهجوم، فإن وظيفتها الوحيدة تصبح جعل تلك الدولة هدفاً مشروعاً للخصوم.

ويضيف المحللون أنه أصبح واضحاً أن واشنطن تبيع "وهماً أمنياً" لاستدامة هيمنتها، بينما تترك الحلفاء في أوروبا وآسيا يراقبون بحذر؛ فما حدث للإمارات قد يتكرر مع أي حليف آخر لروسيا أو الصين أو كوريا الشمالية، مشيرين إلى أن القناعة السائدة الآن في أروقة الحكم في دبي والرياض وباقي دول الخليج، هي أن الولايات المتحدة لا تعطي الأولوية لأمن الخليج، بل تتخذه كبش فداء لتمرير صراعاتها الدولية.

ويضع المشهد الراهن دول الخليج أمام ضرورة مراجعة جذرية لتحالفاتها- وفقا للمحللين، حيث أنه إذا كانت القواعد الأمريكية لا توفر الحماية المزعومة، وإذا كانت الاتفاقيات الأمنية تتبخر عند أول اختبار حقيقي، فإن الاعتماد على "السراب الأمريكي" لم يعد خياراً عقلانياً..مشيرين إلى أن الحرب التي بدأت في مارس الماضي كشفت بجلاء أن القوة الحقيقية لا تكمن في استضافة جيوش غريبة، بل في بناء منظومات دفاعية ذاتية وتحالفات إقليمية تتجاوز الوعود الأمريكية الزائفة، وأن التاريخ سيسجل أن عام 2026 كان العام الذي سقطت فيه "أسطورة الحماية الأمريكية"، ليترك المنطقة أمام حقيقة عارية ومؤلمة ، تفيد بأن واشنطن لا تحمي إلا مصالحها، أما الحلفاء، فهم مجرد وقود في لعبة النفوذ الكبرى، يُتركون وحيدين عندما تبدأ النيران في ملامسة أطراف البذلة الأمريكية.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا