آخر الأخبار

زلزال "أوبك" الصامت .. كيف قوضت أبوظبي هيمنة الرياض النفطية في توقيت حرج ؟

شارك

لم يكن إعلان الإمارات انسحابها من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك بلس" مجرد قرار فني يتعلق بحصص الإنتاج، بل جاء كطلقة في قلب الهيمنة السعودية على سوق الطاقة العالمي، ليعلن رسمياً عن دخول الصراع الصامت بين الحليفين اللدودين مرحلة "كسر العظم" الجيوسياسي، فهذا الانسحاب، الذي يتزامن مع اشتعال الجبهات الإقليمية وتصاعد التوتر العسكري في محيط مضيق هرمز، يمثل ضربة قاصمة للاستراتيجية السعودية التي صاغتها الرياض على مدار عقود لضمان قيادتها المنفردة للقرار النفطي العربي والدولي، حيث وجدت المملكة نفسها فجأة تفقد أهم شريك استراتيجي يمتلك قدرة إنتاجية فائضة، مما يحولها من "قائد للتحالف" إلى "حامل وحيد للأعباء".

وتتجلى خطورة هذه الخطوة الإماراتية في كونها تجرد الرياض من سلاح "التوازن" الذي كانت تستخدمه لضبط الأسعار العالمية، إذ لم تعد الإمارات ملزمة بأي خفض طوعي للإنتاج، بل باتت تتحرك بمرونة كاملة لإغراق السوق ورفع طاقتها الإنتاجية نحو خمسة ملايين برميل يومياً، وهو ما يضع الطموحات الاقتصادية السعودية المعتمدة على أسعار نفط مرتفعة لتمويل رؤية 2030 في مهب الريح.

ويرى محللون أن الانسحاب الإماراتي من منظمة أوبك يتجاوز حدود براميل النفط ليصل إلى جوهر الصراع الإقليمي الشامل، حيث تعكس الخطوة الإماراتية رغبة جامحة في التمرد على "الوصاية الافتراضية" التي ظلت تمارسها الرياض داخل المنطقة، وهو صراع لم يعد خافياً في ملفات اليمن والسودان، بل امتد ليصل إلى قلب التنافس الاقتصادي المحموم لجذب الاستثمارات العالمية والمراكز الإقليمية للشركات الكبرى.

ويضيف المحللون أن السعودية، التي كانت تنظر إلى الإمارات كظهير يساند قراراتها السيادية في أوبك، باتت اليوم تواجه منافساً حراً يمتلك قدرات لوجستية وتكنولوجية هائلة عبر شركة "أدنوك"، وقادراً على إبرام صفقات توريد مستقلة مع التنين الصيني والقوى الآسيوية بعيداً عن أروقة التنسيق في الرياض، وهذا التشظي في الموقف الخليجي يبعث برسالة سلبية للأسواق الدولية مفادها أن "وحدة المصير" النفطي قد انتهت، وأن مرحلة "المنافسة المفتوحة" قد بدأت، وهو ما يضعف الموقف التفاوضي السعودي أمام القوى الكبرى مثل واشنطن وموسكو، اللتين كانتا تتعاملان مع الرياض كبوابة وحيدة لإمدادات المنطقة.

ولا تتوقف تداعيات هذه الخطوة عند حدود العاصمة أبوظبي، بل إن الخطر الحقيقي الذي بات يقض مضجع الرياض يكمن في "أثر الدومينو" الذي قد يحدثه هذا الانسحاب، حيث فتحت الإمارات الباب على مصراعيه أمام دول أعضاء أخرى للسير في ذات المسار، وهو ما يؤذن ببدء العد التنازلي لانهيار منظمة "أوبك" ككيان فاعل وتفكك تحالف "أوبك بلس" كلياً، وبذلك فإن تحول المنظمة من حصن حصين للمصالح النفطية المشتركة إلى مظلة اختيارية تغادرها القوى الكبرى الواحدة تلو الأخرى، يعني تجريد السعودية من أعظم أدوات نفوذها الخارجي؛ فالمملكة دون "أوبك" ستفقد قدرتها على توجيه دفة الاقتصاد العالمي وفرض شروطها في المحافل الدولية كقائد لسوق الطاقة.

هذا الانهيار الوشيك للمنظومة الجماعية سيجبر السعودية على خوض حروب أسعار منفردة ومواجهة تقلبات السوق دون غطاء إقليمي أو دولي، مما يحول نفوذها التاريخي من "هيمنة مؤسسية" مستقرة إلى "صراع بقاء" في سوق مفتوحة، تصبح فيها براميل النفط مجرد سلعة تجارية مجردة من ثقلها السياسي والدبلوماسي الذي طالما منح الرياض مقعداً دائماً في صياغة القرار العالمي.

وعلى المستوى السياسي، يمثل هذا الانسحاب ضربة لشرعية القيادة السعودية في لحظة تاريخية حساسة، فبينما تحاول المملكة احتواء التداعيات الكارثية للحرب الدائرة في إيران وتجاوز أزمة ممرات التجارة الدولية، تأتي الخطوة الإماراتية لتكشف عن "عزلة" قيادية بدأت تلوح في الأفق داخل البيت الخليجي.

ويؤكد المحللون أن انسحاب الإمارات من "أوبك"، بعد سنوات قليلة من خروج قطر، يفرغ المنظمة من دورها وأهميتها التاريخية ويحولها إلى هيكل يخدم المصالح الروسية والسعودية بشكل ثنائي قلق، بينما تنطلق الدول المنسحبة منها في مسار "الواقعية الاقتصادية" التي لا تعترف بالولاءات التقليدية إذا ما تعارضت مع المصلحة الوطنية العليا.

وبالنتيجة، فإن السعودية اليوم لا تواجه فقط أزمة أسعار أو تخمة في المعروض، بل تواجه واقعاً جيوسياسياً جديداً يتطلب منها إعادة تعريف علاقتها مع جيرانها الذين سئموا انتظار التوافقات الجماعية، وقرروا انتزاع مقاعدهم المستقلة في قطار الاقتصاد العالمي الجديد، مما يجعل من انسحاب الإمارات "نقطة تحول" قد تؤدي لاحقاً إلى انهيار منظومة أوبك بلس كلياً، وتجريد السعودية من أهم أدوات نفوذها العالمي في القرن الحادي والعشرين.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا