آخر الأخبار

صنعاء تفرض شروطها في استحقاقات السلام .. و الرياض تبحث عن مخرج آمن

شارك

أولى الدلالات السياسية التي توقف عندها المراقبون في بيان مكتب المبعوث الأممي، كانت غياب "السردية" التي حاولت المملكة العربية السعودية تكريسها طويلاً؛ وهي تقديم نفسها كـ "وسيط" بين الأطراف اليمنية لا كطرف أصيل في الحرب، فالبيان جاء واضحاً في الإشارة إلى اجتماع "ممثلي اللجنة من الرياض وصنعاء"، وهو ما يراه محللون رضوخاً سعودياً لمطالب صنعاء التي أصرت دوماً على أن المملكة هي قائدة التحالف والطرف المواجه مباشرة، ولا يمكن القبول بأي تسوية لا تضع النقاط على الحروف، فيما يخص الالتزامات القانونية والأخلاقية المترتبة على ذلك، وهذا التبدل في الوصف يعكس تراجعاً سعودياً عن محاولة التملص من تبعات الحرب، والقبول بالجلوس وجهاً لوجه كخصم يبحث عن مخرج آمن.

يربط المحللون بين عودة السعودية إلى طاولة الحوار القائمة على "خارطة الطريق" الأممية وبين الفشل الذي منيت به القوى الدولية في كبح جماح قدرات صنعاء العسكرية، فخلال عامين من "حرب الإسناد" لغزة، أثبتت القوات المسلحة في صنعاء قدرة استثنائية على إدارة معارك بحرية وجوية معقدة ضد أقوى الأساطيل العالمية، وهي المواجهات التي اضطرت بعدها الولايات المتحدة لطلب الوساطة والانسحاب التدريجي من بؤر الصراع المباشر في البحر الأحمر.

وهذا التطور النوعي، والتهديد الصريح بإغلاق باب المندب في حال تمادى العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ولبنان، أوصل رسالة حاسمة للرياض مفادها: "أن أي جولة تصعيد قادمة لن تبقى حبيسة الجغرافيا اليمنية، بل ستطال عمق الشرايين الاقتصادية للمملكة"، ومن هنا، يُقرأ الجنوح السعودي للحوار كـ "سلام ضرورة" لتجنب كلفة باهظة لم تعد المملكة قادرة على تحملها في ظل طموحاتها الاقتصادية الكبرى، حيث أدركت الرياض أن أمن منشآتها النفطية ومشروعاتها العملاقة يمر عبر التفاهم مع صنعاء، لا عبر التصادم معها.

بدا لافتاً في اجتماع عمان الغياب التام لما يسمى بـ "مجلس القيادة الرئاسي" أو الحكومة الموالية للتحالف، وهذا التهميش المتعمد يحمل دلالات قطعية على أن السعودية باتت تركز على الطرف الأقوى والوحيد القادر على إحداث تغييرات حقيقية في الواقع، فبحسب مراقبين، فإن الرياض أدركت أن استمرار الرهان على كيانات لا تملك قرارها ولا قوتها على الأرض هو مضيعة للوقت، فقررت الذهاب مباشرة نحو صنعاء التي تحولت إلى لاعب إقليمي بل ودولي فاعل، وأثبتت خلال أحداث ما بعد 7 أكتوبر 2023 أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص أمن المنطقة والملاحة الدولية.

وعلى مدى سنوات، مارست الرياض سياسة "النفس الطويل" للتملص من تنفيذ بنود خارطة الطريق، خاصة الملفات الإنسانية والالتزام بالتعويضات وجبر الضرر، إلا أن صنعاء رفعت من نبرة تحذيراتها مؤخراً، مؤكدة أن "الصمت لن يطول" تجاه استمرار الحصار والحرمان من الموارد الوطنية.

وتأتي هذه المفاوضات في ظل موقف صنعاء المعلن بالوقوف إلى جانب إيران ولبنان، مما يضع السعودية أمام خيارين: إما الانصياع لاستحقاقات السلام العادل، أو مواجهة عودة الحرب التي ستكون هذه المرة أكثر تدميراً وأوسع نطاقاً.. ومن هنا
فإن العودة السعودية للمفاوضات المباشرة مع صنعاء في "عمان" ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل هي قراءة واقعية لتغير موازين القوى، فاليمن اليوم لم يعد ذلك الملف الذي يمكن إدارته بالوكالة أو المماطلة، بل أصبح قوة تملك أوراق ضغط استراتيجية تهز عروشاً واقتصادات، وهنا يبقى التحدي الأكبر هو مدى جدية الرياض في الانتقال من مرحلة "خفض التصعيد" إلى مرحلة "السلام الشامل" الذي يلبي حقوق الشعب اليمني ويُنهي تداعيات الحرب بشكل كامل.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا