منذ العام 2015، ومع التحولات العنيفة التي شهدتها البلاد، لم تكن الحرب مجرد حدث عسكري أو سياسي، بل فتحت الباب واسعًا أمام تشكل اقتصاد موازٍ، سرعان ما تمدد داخل مفاصل الحياة اليومية، وكان أبرز تجلياته في العاصمة المؤقتة عدن، هو الطفرة الكبيرة في أعداد شركات الصرافة التي ظهرت بشكل لافت، حتى بدت وكأنها تنبت “كالفطر” في كل شارع وزقاق.
هذا التوسع لم يكن طبيعيًا ولا مرتبطًا بنمو اقتصادي حقيقي، بل جاء في سياق بيئة مشوهة تشكلت بفعل الحرب، حيث غابت مؤسسات الدولة، وتراجعت أدوات الرقابة، وبرزت أنشطة غير منظمة مثل تجارة السلاح، والبسط على الأراضي، والجبايات خارج إطار القانون، وغسيل الأموال. في هذا المناخ، وجدت شركات الصرافة غير المنظمة فرصة ذهبية للتمدد، مستفيدة من سيولة نقدية ضخمة تبحث عن قنوات “شرعية” للعبور.
خلال تلك السنوات، تحولت بعض هذه الشركات إلى ما يشبه “بنوك ظل”، تدير عمليات تحويل وصرف خارج النظام المالي الرسمي، وتتحكم بأسعار الصرف بشكل غير مباشر، مستفيدة من ضعف البنك المركزي، وغياب السياسات النقدية المستقرة. ولم تعد هذه الشركات مجرد وسطاء ماليين، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية موازية لها تأثير مباشر على السوق، وعلى حياة الناس.
لكن المشهد بدأ يتغير خلال العامين الأخيرين، مع محاولات الدولة استعادة حضورها، وفرض رقابة أكبر على القطاع المالي، وتجفيف بعض منابع التمويل غير المشروع. هذه الإجراءات، وإن كانت محدودة ومتأخرة، إلا أنها بدأت تؤثر فعليًا على عدد من شركات الصرافة التي اعتمدت في توسعها على مصادر غير مستقرة. ومع تضييق الخناق، بدأت تظهر مؤشرات تعثر وانهيار لدى بعض هذه الكيانات، وقد شهدت الفترة الأخيرة بالفعل حالات إفلاس لعدد منها، في مؤشر مقلق على هشاشة هذا القطاع.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: أين أموال المودعين؟
الآلاف من المواطنين أودعوا أموالهم في هذه الشركات، إما بدافع الحاجة لتحويل الأموال، أو بحثًا عن خدمات أسرع من البنوك، أو حتى طمعًا في أرباح سريعة عبر المضاربة. ومع بدء انهيار بعض هذه الشركات، يجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع مقلق، حيث لا توجد ضمانات حقيقية، ولا مظلة قانونية واضحة تحمي حقوقهم.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات لضرورة التحرك السريع من قبل المواطنين لحماية مدخراتهم، من خلال سحب أموالهم من الشركات التي تثير حولها الشكوك أو التي تظهر عليها مؤشرات تعثر، وذلك تجنبًا لوقوع خسائر أكبر في حال انهيار مفاجئ لما تبقى من هذه الكيانات، وهو سيناريو بات مطروحًا بقوة في ظل ما يشهده السوق من اضطرابات.
إن غياب الإطار التنظيمي الصارم خلال سنوات الحرب خلق فجوة خطيرة، سمحت لهذه الشركات بالعمل دون رقابة كافية، ودون إلزامها بمعايير الشفافية أو الإفصاح. واليوم، مع تغير المعادلة، يدفع المواطن البسيط ثمن تلك الفوضى.
من الناحية الاقتصادية، لعبت هذه الشركات دورًا سلبيًا في تعميق أزمة العملة، حيث ساهمت في المضاربات، وخلقت سوقًا موازية تتحكم في أسعار الصرف بعيدًا عن أي سياسات نقدية رسمية. كما أن ارتباط بعضها بأنشطة غير مشروعة جعلها جزءًا من دورة اقتصادية مشوهة، لا تخدم التنمية، بل تغذي الفوضى.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد ساهمت هذه الظاهرة في نشر ثقافة “الربح السريع” على حساب العمل المنتج، وأضعفت الثقة في النظام المالي، ودفعت كثيرين إلى التعامل مع كيانات غير موثوقة، في ظل غياب البدائل.
اليوم، ومع بدء تراجع هذه الشركات، تبدو الحاجة ملحة لخطوات حاسمة، ليس فقط لضبط القطاع، بل لحماية أموال الناس. فالدولة مطالبة بإنشاء آليات واضحة لتعويض المتضررين، أو على الأقل تتبع أموالهم، ومحاسبة المتسببين في أي تجاوزات. كما أن البنك المركزي مطالب بتشديد الرقابة، وإعادة تنظيم سوق الصرافة بشكل يضمن الشفافية والاستقرار.
وفي المقابل، تبرز أهمية التوعية المجتمعية، حيث يجب تنبيه المواطنين إلى مخاطر إيداع أموالهم خارج القنوات الرسمية، وضرورة التعامل مع مؤسسات مالية مرخصة وموثوقة فقط.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة شركات صرافة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة دورها، وبناء نظام مالي يحمي المواطن، ويعيد الثقة إلى السوق. فإما أن تُغلق صفحة اقتصاد الظل بكل تبعاتها، أو تستمر الدائرة ذاتها في إنتاج أزمات جديدة، يدفع ثمنها دائمًا المواطن البسيط.
المصدر:
عدن الغد