ولسنوات طويلة، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى مفهوم "اليد الطويلة"؛ وهي القدرة على الوصول إلى أي نقطة في الشرق الأوسط واستهدافها دون رادع حقيقي، غير أن الضربة المنسقة حملت دلالة سياسية وعسكرية قاطعة، أن هذه اليد لم تعد حكراً على الكيان الإسرائيلي، بل إن ثمة قوى في المنطقة قادرة على الوصول إلى عمقه بضربات موجعة وقلب المعادلة التي لطالما ركن الاحتلال الإسرائيلي إليها.
ويرى مراقبون عسكريون أن وصول الصواريخ والمسيّرات من ثلاث اتجاهات مختلفة في وقت متزامن يمثل إعلاناً عملياً عن قدرة قوى المقاومة على "بتر" هذه اليد، من خلال نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي وبشكل جماعي، في تطور نوعي يسقط فرضية الاستفراد بكل جبهة على حدة، ويجبر الدفاعات الجوية الإسرائيلية على التعامل مع تهديدات مشتتة جغرافياً، مما يرفع احتمالات الاختراق وإلحاق أضرار بالغة في البنية التحتية والمواقع العسكرية.
السمة الأبرز لهذا الهجوم الثلاثي المتزامن ليست في حجم القوة النارية فحسب، بل في "الدقة الإجرائية"، حيث أن تنفيذ ضربة من طهران، وبيروت، وصنعاء، لتهبط في توقيتات متقاربة على أهداف محددة، يتطلب مستوى عالٍ جداً من التنسيق الاستخباراتي واللوجستي، وهذا التنسيق يدل على أن "غرفة عمليات مشتركة" فعالة، استطاعت تجاوز العوائق الجغرافية والتقنية، وتنفيذ تلك الضربة التي قد تتكتم حكومة الكيان على نتائجها، غير أن أخبارا وتقارير نشرتها الصحافة الإسرائيلية، تؤكد أنها كانت ضربة غير مسبوقة.
ومن الناحية العسكرية، فإن هذا التطور يعيد رسم خارطة توازن القوى؛ فإسرائيل التي كانت تدير حروبها بناءً على تفوقها الجوي المطلق، باتت اليوم تواجه "إغراقاً صاروخياً" يهدف إلى استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية وكسر هيبة الدفاعات الجوية.
ومن ناحية أخرى، فإن مثل هذه الضربات تأتي لتمثل "إعلاناً ميدانياً" عن سقوط قواعد الاشتباك القديمة، وصياغة معادلة جديدة للصراع، تحمل العديد من الأبعاد الاستراتيجية، يأتي في مقدمتها أن "وحدة الساحات" مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى استراتيجية عسكرية مطبقة تهدف إلى تخفيف الضغط عن أي جبهة تتعرض للاستهداف عبر تفعيل الجبهات الأخرى آلياً.
كما أن هذه العملية تحمل بعدا عسكريا مفاده أن القدرة على توجيه ضربات دقيقة من مسافات تصل إلى ألفي كيلومتر، (من اليمن وإيران) بالتزامن مع ضربات قصيرة المدى (من لبنان) تضع القيادة العسكرية الإسرائيلية أمام معضلة تشتيت واستنزاف قدراته الدفاعية، وزيادة عجزها في كثافة النيران.
ويضيف المحللون بعدا آخر، يتمثل في ما حمله هذا الهجوم المنسق من رسالة قوية للداخل الإسرائيلي، مفادها أن الجبهة الداخلية لم تعد محصنة، وأن الوعود بـ "الأمن المطلق" عبر العمليات الخارجية لم تعد قابلة للتحقق في ظل توازن الردع الجديد.
ويؤكد المحللون أن هذا الهجوم الذي جاء على مستوى عال من التنسيق والتزامن يمثل تطوراً نوعياً لفكرة المقاومة؛ حيث انتقلت من الدفاع السلبي إلى الهجوم المنسق المنظم، وهذا التحول يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة جديدة، تفيد بأن المنطقة باتت محكومة بمعادلات توازن قوى معقدة، حيث يمتلك خصوم إسرائيل اليوم القدرة على ممارسة ضغط عسكري وسياسي متزامن لا يمكن تجاهله.. مضيفين أن هذه الضربة الثلاثية لم تكن مجرد رد فعل عسكري، بل كانت إعادة تعريف لمفهوم "السيادة" و"الردع" في المنطقة. فبينما كان رئيس وزراء الاحتلال يتفاخر بقدرة جيشه على الوصول إلى كل مكان، أثبتت وقائع الميدان اليوم أن العمق الإسرائيلي بات، ولأول مرة بهذا الوضوح، تحت رحمة "تزامن النيران" القادمة من الجهات كافة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية