وبنت إدارة ترامب وحكومة نتنياهو حساباتهم على فرضية "العملية الجراحية" التي ستؤدي إلى انهيار منظومة القيادة والسيطرة في طهران خلال أيام معدودة، غير أن واقع الميدان حتى هذه اللحظة يشير إلى نجاح إيراني لافت في امتصاص الصدمة الأولى، وانتقلت بذكاء إلى استراتيجية "حرب الاستنزاف التقنية واللوجستية".
وبالرغم من القصف العنيف الذي طال اهدافا ومنشآت في أنحاء متفرقة من إيران، تؤكد التقارير الاستخباراتية أن النظام الإيراني لا يزال يمسك بزمام المبادرة الميدانية، محولاً الرهان الأمريكي على "انهيار سريع" إلى استنزاف يومي لمخزونات أمريكا وإسرائيل الحيوية من الصواريخ والذخائر الذكية التي بدأت تنفد بوتيرة لم يتوقعها البنتاغون، في حين لا تزال المسيرات الإيرانية والصواريخ النوعية والمتطورة تشكل تهديداً يومياً للقواعد الأمريكية والعمق الإسرائيلي.
وتحمل تصريحات ترامب الأخيرة التي هاجم فيها دول الناتو دلالات شديدة الخطورة؛ فهي تعكس إدراكاً متأخراً لعمق المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل جراء "سوء تقدير" استراتيجي وتاريخي. وتزداد مرارة هذا الإحباط بالنظر إلى أن إيران كانت منخرطة في مفاوضات دبلوماسية جادة مع واشنطن حتى قبل ساعات قليلة من شن الحرب، وهو ما يجعل اللجوء للخيار العسكري في تلك اللحظة يبدو كـ "هروب للأمام" من استحقاقات السلام نحو مغامرة غير مضمونة النتائج، حيث يشير محللون إلى أن هذا "الغدر الدبلوماسي" لم يفقِد واشنطن مصداقيتها الدولية فحسب، بل دفع طهران لتبني عقيدة قتالية تعتمد على "الصمود المطلق"، مما حول المعركة إلى صراع وجودي تستخدم فيه إيران كافة أوراق الردع الإقليمي بفاعلية تصاعدية أربكت حسابات المهاجمين.
ويتجلى هذا الانسداد الاستراتيجي الذي تعاني منه إدارة ترامب في عدة مسارات ميدانية؛ أولها النزيف المالي الحاد، حيث تجاوزت تكلفة العمليات العسكرية في أسبوعها الثاني حاجز الـ 20 مليار دولار، وثانيها الفشل في تأمين الملاحة، وخاصة الأمريكية والإسرائيلية، في مضيق هرمز الذي تحول إلى "منطقة حرب" تتحاشى جميع شركات الشحن العالمية توجيه سفنها إليها، مما أدى لقفز أسعار النفط وتكاليف التأمين البحري بمقدار خمسة أضعاف.
وجاءت تصريحات ترامب لتعكس هذا عمق هذا المأزق؛ فبينما كال الاتهامات لحلفاء الناتو بأنهم يتهربون من الوقوف معه في هذه الحرب، فإنه قطع الطريق أمام أي حديث عن التراجع، مؤكداً بلهجة حازمة أن الولايات المتحدة لن تخرج من هذه المواجهة قبل إنجاز المهمة، مشدداً على أن "المهمة لم تنتهِ بعد".
ويرى محللون أن هذا الإصرار الذي أبداه ترامب في تصريحاته على استكمال ما أسماه "المهمة غير المنتهية"، رغم تصدع الجبهة الداخلية الأمريكية واستقالة مسؤولين بارزين احتجاجاً على الحرب، يضع إدارة ترامب أمام خيار وحيد وهو المراهنة بكل أوراقها في حرب استنزاف طويلة.
ويضيف المحللون أن الواقع يشير إلى أن واشنطن وتل أبيب محاصرتان الآن بين استراتيجية إيرانية أثبتت قدرة عالية على "امتصاص الضربات" وتحويلها إلى أوراق ضغط جيو-اقتصادية، وبين التزام سياسي يمنعهما من التراجع دون "نصر ناجز" يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى، مما ينذر بأن هذه الحرب قد تبتلع الموارد الأمريكية وتغير موازين القوى في المنطقة إلى الأبد لصالح خصوم واشنطن.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية