مع حلول شهر رمضان المبارك في كل عام، تتجدد ذاكرة اليمنيين بأصوات الكثير من المقرئين لكتاب الله الذين شكّلوا وجدانهم الديني والروحي عبر عقود طويلة.
ومن بين تلك الأصوات التي ارتبطت بالخشوع والسكينة، صوت الشيخ المرحوم الصفي محبوب، والشيخ المرحوم محمد حسين عام، والشيخ القريطي وغيرهم، كما يبرز اسم الشيخ يحيى أحمد محمد الحليلي، شيخ المقارئ اليمنية، كما يطلق عنه.
الشيخ الحليلي الذي أصبح صوته العذب جزءًا من الطقوس الرمضانية في اليمن بشكل عام والعاصمة صنعاء بشكل خاص، وارتبطت تلاواته بصفاء الفجر وهدوء السحر؛ صار رمزًا من رموز المدرسة اليمنية في التلاوة.
وُلد الشيخ يحيى الحليلي عام 1952م (1372هـ) في قرية الحليلة، مديرية بني مطر بمحافظة صنعاء، وعاش طفولته الأولى مبصرًا، لكنه فقد نعمة البصر في سن السابعة تقريبا بسبب مرض الجدري، هذا المرض الذي كان قاتلا في ذلك الوقت، ورغم هذه المحنة، كانت بداية رحلته مع القرآن الكريم، حيث انتقل إلى مدينة صنعاء عام 1960م، والتحق بحلقات التحفيظ في الجامع الكبير بصنعاء، ليتم حفظ القرآن الكريم كاملاً في سن العاشرة.
لم يكتفِ الشيخ الحليلي بالحفظ، بل انكبّ على دراسة علم القراءات التسع وليس السبع فقط، وذلك على يد كبار العلماء والمقرئين في اليمن، وفي مصر الكنانة، حيث تأثر بشكل كبير بالمدرسة المصرية في تلاوة كتاب الله عز وجل، كما أن من بين ابرز مشايخه وأساتذته الشيخ الجليل المقرئ المرحوم محمد حسين عامر، الذي كان له أثر بالغ في تكوين شخصيته القرآنية وصوته المميز. كما درس على يد الشيخ حسن لطف باصيد في جامع الفليحي بصنعاء القديمة، والعلامة حسين الغيثي، في جامع ابن الحسين، والعلامة أحمد حسين الكحلاني وغيرهم.
في عام 1973م حصل على معادلة ليسانس في علوم اللغة العربية من وزارة التربية والتعليم، ليجمع بين علوم القرآن واللغة، ويؤسس لنفسه مكانة علمية راسخة.
منذ مطلع السبعينيات، بدأ الشيخ الحليلي مسيرته العملية في تدريس القرآن الكريم وعلوم القراءات، ومن عقود وحتى اليوم وهو إمامًا وخطيبًا في جامع قبة المتوكل بحي التحرير في صنعاء، وقد أسهم في تأسيس حلقات تحفيظ خرّجت أجيالًا من الحفاظ والمقرئين، وفي شهر رمضان يشهد جامع قبة المتوكل ازدحاما غير عاديا في صلاة التراويح خلف الشيخ الحليلي.
تولى الشيخ الحليلي رئاسة لجنة التحكيم في جائزة رئيس الجمهورية لحفظ القرآن الكريم منذ عام 2000م، وشارك لسنوات ولا يزال في لجان تحكيم مسابقات قرآنية داخل اليمن وخارجها، منها جمهورية مصر العربية.
كما جمع بين التعليم والإرشاد وخدمة المجتمع، فكان مثالًا للعالم العامل.
ويُلقب الشيخ الحليلي بـ شيخ المقارئ اليمنية، نظرًا لدوره البارز في تعليم القرآن ونشر القراءات.كما خرّج المئات من الحفاظ والمقرئين الذين حملوا رسالته إلى مختلف أنحاء اليمن، وأصبح الكثير منهم أئمة لمساجد في دول الخليج وفي العالم الإسلامي.
ارتبط صوت الشيخ الحليلي ارتباطًا وثيقًا بشهر رمضان المبارك، حيث كانت إذاعة صنعاء والتلفزيون اليمني يبثان تلاواته قبيل صلاة الفجر يوميًا طوال الشهر الكريم، حتى عام 2015. وقد أصبح صوته جزءًا من ذاكرة اليمنيين، ولا يكاد يخلو بيت من تسجيلاته الصوتية، سواء عبر الإذاعة أو أشرطة الكاست القديمة.فصوته المميز جعل تلاواته مرجعًا للمتعلمين والمستمعين، وارتبط اسمه بالروحانية والسكينة في رمضان. كان صوته بمثابة جسر روحي يصل بين القلوب والقرآن الكريم، يبعث الطمأنينة ويُشعر المستمعين بجلال اللحظة وقدسية الشهر الفضيل.
الشيخ يحيى الحليلي متزوج وأب لتسعة أبناء، وما زال حتى اليوم يواصل عطاؤه في خدمة القرآن الكريم وتعليمه، ليبقى حاضرًا في وجدان اليمنيين، ورمزًا خالدًا للروحانية والإيمان.
المصدر:
مأرب برس