آخر الأخبار

من التهديد بإغراق البحر الأحمر إلى التريث العسكري: أين اختفى الحوثيون؟ … استراتيجية انتظار اللحظة المناسبة

شارك

مصدر الصورة

رغم الخطاب التصعيدي الذي تبنته جماعة الحوثي طوال السنوات الماضية، والتهديدات المتكررة بالرد على أي هجوم يستهدف إيران، فإن الجماعة التزمت الصمت العسكري حتى الآن، رغم مرور أكثر من أسبوع على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

هذا التباين بين الخطاب والواقع يطرح تساؤلات حول الأسباب التي تدفع الحوثيين إلى التريث، رغم أنهم قدّموا أنفسهم طوال السنوات الماضية كأحد أكثر أطراف "محور المقاومة" استعداداً للمواجهة.

تقرير تحليلي نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية حاول تفسير هذا الصمت، مشيراً إلى أن الجماعة تخوض حالياً حسابات معقدة تتعلق بقدراتها العسكرية، ومستقبلها السياسي داخل اليمن، إضافة إلى التحولات الإقليمية التي أعادت تشكيل المشهد في المنطقة.

تهديدات سابقة وصمت لافت

قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، توعد الحوثيون بأن البحر الأحمر سيجري بدماء أعدائهم في حال تعرضت طهران لهجوم. وفي خطابات متكررة، أكد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أن أي ضربة لإيران ستقابل برد فوري وكارثي.

فالجماعة التي أمضت عامين في تعطيل الملاحة البحرية العالمية واستهداف السفن في البحر الأحمر، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، سعت إلى ترسيخ صورة أنها رأس الحربة في ما يسمى "محور المقاومة".

لكن الواقع بعد اندلاع الحرب جاء مختلفاً؛ إذ تتعرض إيران لضربات متواصلة منذ أكثر من أسبوع دون أن يطلق الحوثيون أي صاروخ أو ينفذوا أي هجوم في البحر الأحمر.

ضربات قاسية في القيادة العسكرية

تشير "فورين بوليسي" إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الصمت يعود إلى الضربات التي تعرضت لها الجماعة خلال العامين الماضيين.

فبين أغسطس وأكتوبر 2025 نفذت إسرائيل غارات جوية دقيقة في صنعاء أسفرت عن مقتل رئيس الوزراء في حكومة الحوثيين أحمد الرهوي وعدد من أعضاء حكومته، إضافة إلى رئيس الأركان محمد الغماري.

هذه الضربات لم تكن مجرد قصف للبنية التحتية، بل عمليات استهداف استخباراتي دقيق مشابهة لتلك التي استخدمت في اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في بيروت.

وبحسب التقرير، يدرك قادة الحوثيين أن أي عملية إطلاق صواريخ أو نشاط عسكري واسع يمكن أن يكشف مواقعهم بسبب البصمات الإلكترونية الناتجة عن الاتصالات والتحركات العسكرية.

حملة البحر الأحمر استنزفت القدرات

رغم أن حملة الحوثيين في البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025 رفعت مكانة الجماعة على المستوى الدولي، فإنها كانت مكلفة عسكرياً.

فالهجمات التي استهدفت السفن التجارية عطلت الملاحة العالمية وأجبرت قوات بحرية دولية على التدخل، لكنها في الوقت نفسه استنزفت جزءاً كبيراً من قدرات الحوثيين العسكرية وكشفت بنيتهم التحتية.

وبحلول نهاية عام 2025، أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة إلى إضعاف مواقع إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة ومخازن الأسلحة.

كما أن مقتل رئيس الأركان محمد الغماري وقادة فنيين آخرين شكل خسارة كبيرة للجماعة، نظراً لدورهم في إدارة العمليات العسكرية.

ترسانة عسكرية تحت الضغط

تشير بيانات خبراء الأمم المتحدة إلى أنه بين سبتمبر 2024 ويوليو 2025 أطلق الحوثيون 101 صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل، فشل 38 منها فشلاً كاملاً.

وفي يوليو 2025 صادرت القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 750 طناً من المعدات العسكرية الإيرانية المتجهة إلى الحوثيين، شملت صواريخ ورؤوساً حربية وأنظمة توجيه ومحركات طائرات مسيّرة.

كما أظهرت دراسة لمؤسسة Century International عام 2026 أن أكثر من 80% من المواد التي تمت مصادرتها قبل وصولها إلى الحوثيين كانت مواد خام للتصنيع المحلي، وليس أسلحة جاهزة.

وهذا يعني أن الجماعة باتت تعتمد بشكل متزايد على تجميع الأسلحة محلياً، في حين لا تزال المكونات الأكثر حساسية مثل أنظمة التوجيه والمحركات تعتمد على الاستيراد الخارجي.

ومع تعرض إيران نفسها لضربات عسكرية، أصبح خط الإمداد الذي اعتمد عليه الحوثيون لسنوات تحت ضغط غير مسبوق.

معادلة العلاقة مع إيران

رغم أن الحوثيين غالباً ما يُقدمون كحلفاء لإيران، فإن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً.فقد بُنيت القدرات العسكرية للجماعة بدعم من طهران وحزب الله، كما تأثرت استراتيجيتها العسكرية بأولويات إيران في المنطقة.

ومع مقتل المرشد الأعلى الإيراني وتعيين ابنه مجتبى خامنئي خلفاً له في الثامن من مارس، سارعت وسائل الإعلام الحوثية إلى مبايعته ووصفه بـ"الإمام"، في إشارة إلى استمرار ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني.

لكن في المقابل تغيرت البيئة السياسية في المنطقة. فخلال حرب غزة، اكتسب الحوثيون تعاطفاً في بعض الأوساط العربية بعد استهدافهم السفن المرتبطة بإسرائيل. غير أن الحرب الإيرانية الحالية قلبت المعادلة، مع سقوط صواريخ إيرانية على مدن عربية مثل الرياض وأبوظبي.

وفي هذا السياق، قد يؤدي تدخل الحوثيين دفاعاً عن إيران إلى فقدانهم التعاطف الشعبي الذي اكتسبوه سابقاً.

تعبئة داخلية لمعركة مختلفة

في الوقت الذي يلتزم فيه الحوثيون الصمت خارجياً، تشير تقارير إلى أنهم كثفوا أنشطة التعبئة العسكرية داخل المناطق التي يسيطرون عليها.

فخلال الأشهر الماضية نظمت الجماعة دورات تدريبية واسعة تحت مسمى "برامج طوفان الأقصى" في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها.

وشملت هذه البرامج موظفين حكوميين وطلاب جامعات وعاملين في مؤسسات عامة، إضافة إلى تعبئة قبلية واسعة.

لكن هذه التحركات تشير إلى التركيز على بناء قوة برية أكثر من كونها قوة صاروخية، وهو ما يلمح إلى استعدادات محتملة لمعركة داخل اليمن تتعلق بالسيطرة على الأراضي والسكان في شمال البلاد.

ففي عام 2015 كانت جماعة الحوثي مجرد حركة تمرد تسيطر على مناطق محدودة دون مؤسسات دولة.

أما اليوم، فهي تدير وزارات وموانئ ونظاماً ضريبياً وشبكة جامعات، كما تحافظ على قنوات اتصال مع الأمم المتحدة وتشارك في مفاوضات غير مباشرة مع السعودية عبر سلطنة عمان.

هذا التحول من حركة تمرد إلى سلطة أمر واقع يجعل حسابات الحرب أكثر تعقيداً بالنسبة لقيادتها، التي تخشى أن يؤدي التصعيد العسكري إلى خسارة المكاسب التي حققتها خلال السنوات الماضية.

صمت تكتيكي أم استعداد لمواجهة قادمة؟

ترى "فورين بوليسي" أن الصمت الحوثي لا يعني بالضرورة أنهم لن ينخرطوا في الحرب لاحقاً، لكنه قد يعكس استراتيجية قائمة على انتظار اللحظة المناسبة.

فمجرد التهديد بالتصعيد في البحر الأحمر يفرض على خصوم الجماعة أخذ هذا الاحتمال في الحسبان، كما يساهم في إبقاء تكاليف التأمين والشحن مرتفعة.

وفي ضوء هذه المعادلة، يبدو أن حسابات الحوثيين في الوقت الراهن تميل إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، والتركيز بدلاً من ذلك على تعزيز سيطرتهم داخل اليمن.

ولهذا، يخلص التقرير إلى أن السؤال الحقيقي ليس لماذا يلتزم الحوثيون الصمت الآن، بل ما الذي يبنونه خلال هذا الصمت، وما الذي قد يترتب على مواجهته مستقبلاً؟.

مأرب برس المصدر: مأرب برس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا