آخر الأخبار

الحرب على إيران وفق سردية الخطر النووي.. أداة لإعادة رسم الشرق الأوسط

شارك

في الخطاب السياسي الدولي، كثيراً ما تُستَخدم ذرائع "التهديد الأمني" و"أسلحة الدمار الشامل" لتبرير سياسات التدخل والضغط، بل والحروب. وتُعدّ قضية البرنامج النووي الإيراني مثالاً بارزاً على الجدل المحتدم بين الرواية الغربية الرسمية والرواية المقابلة التي ترى في تلك الاتهامات توظيفاً سياسياً يخدم أهدافاً استراتيجية أوسع.

إيران دولة موقّعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتخضع منشآتها النووية لنظام رقابة تابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية. تاريخياً، أكدت تقارير الوكالة في مراحل عديدة عدم وجود دليل قاطع على تحويل المواد النووية المعلنة إلى برنامج عسكري، مع تسجيل ملاحظات تتعلق بمستوى الشفافية أو الالتزام ببعض الإجراءات الفنية.

غير أن السجال يتصاعد كلما تصاعد التوتر السياسي. فالاتهامات الغربية لطهران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي تُقابلها رواية إيرانية تؤكد أن برنامجها يندرج ضمن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وأن أي تصعيد في التقارير أو اللهجة الدولية يتزامن غالباً مع حسابات جيوسياسية، لا مع اكتشافات تقنية حاسمة.

يستحضر كثير من المحللين تجربة العراق عام 2003، حين بُرِّرت الحرب بادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل تبيّن لاحقاً أنها لم تكن قائمة. كما يُشار إلى خطاب إدارة دونالد ترامب المتشدد تجاه إيران، وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لعام 2015، بوصفه نقطة تحوّل أعادت مناخ الشك والتصعيد بدل الاحتواء الدبلوماسي.

هذه السوابق تُستخدم في الخطاب النقدي للدلالة على نمط متكرر: تضخيم تهديدات أمنية لتبرير سياسات تدخلية، ثم تراجع أو إعادة تقييم بعد فوات الأوان.

تعتبر إسرائيل البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً، وتتبنى سياسة تقوم على منع خصومها الإقليميين من امتلاك قدرات نووية متقدمة. في المقابل، ترى طهران أن تل أبيب تستخدم هذا الملف لحشد الدعم الغربي، خصوصاً في الولايات المتحدة، من أجل فرض عزلة وعقوبات وشن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، اليوم، على إيران.

جزء أساسي من هذا الصراع يدور في ميدان السرديات: كيف تُعرض المعلومات؟ من يحدد توقيت نشرها؟ وكيف تُصاغ التقارير الفنية في سياق سياسي محتدم؟ الاتهامات المتبادلة- بالتضليل أو بتسييس المؤسسات الدولية- تعكس أزمة ثقة عميقة في النظام الدولي، وتغذي الاستقطاب بدل أن تفتح المجال لحلول وسط.

يبقى ملف البرنامج النووي الإيراني اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على الفصل بين الاعتبارات التقنية البحتة والحسابات السياسية. الاتهامات بامتلاك أسلحة نووية، سواء كانت صحيحة أو مبالغاً فيها، تحمل تبعات جسيمة. والتاريخ الحديث يبيّن أن استخدام معلومات استخباراتية غير مكتملة أو مسيّسة لتبرير التدخل العسكري يقوّض مصداقية النظام الدولي ويهدد السلم العالمي.

من هنا، فإن أي مقاربة مسؤولة تقتضي الشفافية، والاحتكام إلى آليات التحقق الدولية، وإعطاء الأولوية للدبلوماسية على حساب المواجهة، ليس دفاعاً عن طرف بعينه، بل حمايةً لمبدأ سيادة الدول واستقرار النظام العالمي.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا