آخر الأخبار

إسرائيل لا تحفظ الودّ لحلفائها.. فلماذا تغامر دول الخليج بمصيرها؟

شارك

تقوم شرعية الأنظمة الخليجية تاريخياً على مرتكزين أساسيين: البعد الديني بوصفها حاضنة للمقدسات أو راعية للهوية الإسلامية، كما هي السعودية، والبعد القومي بوصفها جزءاً من المجال العربي العام. حين يصبح التحالف مع إسرائيل خياراً معلناً، فإن هذا الخيار يصطدم مباشرة بالوجدان الشعبي العربي والإسلامي الذي ما زال يرى في القضية الفلسطينية معياراً أخلاقياً وسياسياً فاصلاً. هنا لا يتعلق الأمر بشعارات عاطفية، بل بتآكل تدريجي في الرصيد الرمزي الذي طالما استندت إليه هذه الدول لتبرير أدوارها الإقليمية. فكيف يمكن التوفيق بين خطاب نصرة القضايا الإسلامية وبين شراكة استراتيجية مع قوة تحتل أرضاً عربية وتخوض صراعاً مفتوحاً مع الشعب الفلسطيني؟

في حالة الإمارات العربية المتحدة، تم تسويق التطبيع باعتباره مدخلاً للتنمية والتكنولوجيا وكسر الجمود السياسي. إلا أن المكاسب الاقتصادية، مهما كانت، لا تلغي حقيقة أن الارتباط الأمني العميق بإسرائيل يجعل القرار السيادي أكثر تشابكاً مع أولوياتها. فالدولة التي تفتح أسواقها وفضاءها الأمني لشريك متفوق تكنولوجياً واستخبارياً، تجد نفسها تدريجياً في موقع التابع لا الندّ، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات حساسة تمس الأمن القومي العربي.

أما السعودية، التي لم تعلن تطبيعاً كاملاً لكنها سلكت مسارات تقارب واضحة، فإن رهانها على التحالف مع إسرائيل كضمانة في مواجهة الخصوم الإقليميين ينطوي على مخاطرة مزدوجة. فمن جهة، يضعف هذا المسار مكانتها المعنوية في العالمين العربي والإسلامي، وهي التي طالما قدّمت نفسها بوصفها مرجعية دينية وسياسية. ومن جهة أخرى، لا توجد في التاريخ السياسي لإسرائيل سوابق تشير إلى أنها تحفظ "جميل الحلفاء" إذا تعارضت مصالحهم مع أولوياتها الاستراتيجية. التحالفات في منطقها محكومة بميزان القوة لا بالوفاء، ومن يضع أمنه في يد قوة تتبنى مشروعاً توسعياً أو تفوقياً، يظل عرضة لإعادة التموضع متى تغيّرت الحسابات.

الوضع في قطر يختلف في الشكل لكنه لا يخرج عن الإطار نفسه. فالبراغماتية القطرية القائمة على الانفتاح على جميع الأطراف قد توفر هامش حركة أوسع، إلا أن أي انخراط أعمق في المنظومة الإسرائيلية سيضعها أمام التناقض نفسه بين خطابها الداعم للقضية الفلسطينية وعلاقاتها العملية. وفي بيئة إقليمية سريعة الاشتعال، قد تتحول هذه الازدواجية إلى عبء سياسي وأخلاقي يصعب تبريره داخلياً وخارجياً.

الأهم من ذلك أن إسرائيل، بحكم طبيعة مشروعها القائم على التفوق العسكري والتكنولوجي والحفاظ على هامش الهيمنة، لا تنظر إلى التحالفات بوصفها التزامات أخلاقية دائمة، بل أدوات مرحلية. التجارب التاريخية تشير إلى أن القوى الكبرى أو الإقليمية المتفوقة تعيد تعريف صداقاتها وفقاً لمصالحها، حتى لو جاء ذلك على حساب شركاء الأمس. وبالتالي فإن الرهان الخليجي على ضمانة إسرائيلية طويلة الأمد قد يكون وهماً سياسياً، لأن منطق القوة لا يعترف بالعواطف ولا يرد الجميل إذا تعارض مع حسابات الأمن والمصلحة.

إن الخسارة هنا لا تقتصر على البعد الرمزي أو الأخلاقي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمعات الخليجية. فحين يُعاد تعريف "العدو" و"الحليف" بمعزل عن الثوابت الدينية والقومية، تتعرض الهوية السياسية لهزة عميقة. وقد ينجح هذا التحول مرحلياً بفعل القبضة الأمنية أو السيطرة الإعلامية، لكنه يراكم تناقضات كامنة قد تنفجر عند أول اختبار إقليمي كبير.

من هذا المنظور، يبدو أن التحالف مع إسرائيل ليس ضمانة أكيدة للبقاء، بل مقامرة عالية الكلفة. فهو يضعف الرصيد الأخلاقي، ويقيد القرار السيادي، ويربط مصير دول الخليج بحسابات قوة لا تتردد في التضحية بالحلفاء إذا اقتضت الضرورة. وفي عالم تتغير فيه الموازين بسرعة، قد تكتشف هذه الدول أن ما ظنته "صمام أمان" لم يكن سوى رهان قصير الأمد في لعبة لا ترحم الضعفاء ولا تكافئ التابعين.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا