قال الباحث والكاتب السياسي فارع المسلمي إن مشهد أداء الحكومة اليمنية الجديدة اليمين الدستورية من مقر السفارة اليمنية في الحي الدبلوماسي بالرياض، بدلًا من داخل الأراضي اليمنية، مثّل صورة مكثفة لكيف يمكن أن تتحول الفرص السياسية إلى خيبات، رغم سيطرة الحكومة على نسبة كبيرة من الجغرافيا اليمنية.
وأوضح المسلمي، في تحليل سياسي، أن الإحباط تضاعف بسبب أن رئيس الوزراء المكلف وعددًا من أعضاء الحكومة كانوا سابقًا من أبرز المنتقدين لإدارة العمل الحكومي من الخارج، ومن الداعين لعودة مؤسسات الدولة إلى الداخل، إضافة إلى تضخم عدد الوزراء الذي وصل إلى 35 وزيرًا، وهو رقم اعتبره مبالغًا فيه بالنسبة لبلد يعاني أزمة اقتصادية وموارد محدودة.
وأشار إلى أن التشكيلة الحكومية بدت ملتبسة ومتضخمة، رغم محاولة تقديمها كحكومة كفاءات تضم وجوهًا جديدة وشابة، لافتًا إلى أن أكثر من 19 مليون يمني يعانون من أزمة إنسانية وفق تقديرات الأمم المتحدة، في وقت قد تعادل فيه تكلفة الجهاز الحكومي رواتب نحو 50 ألف موظف مدني شهريًا.
وبيّن المسلمي أن تشكيل الحكومة جاء في سياق تطورات سياسية وعسكرية دراماتيكية شهدها جنوب اليمن منذ ديسمبر 2025، عقب خسارة المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على محافظتي المهرة وحضرموت، وما تلا ذلك من توترات إقليمية انتهت بمغادرة القوات الإماراتية اليمن، وهو ما أعاد رسم موازين القوى السياسية.
وأضاف أن التشكيلة الحكومية كانت نتاج مزيج من الحسابات المحلية والإقليمية، شملت الترضيات السياسية وإعادة توزيع النفوذ، إلى جانب تأثير مباشر للدور السعودي بوصفه الراعي الرئيسي للحكومة، حيث احتفظت الرياض بتسمية عدد من الوزارات السيادية.
كما تناول التحليل خلفيات اختيار رئيس الوزراء، معتبرًا أن ذلك ارتبط جزئيًا بحسابات احتواء تداعيات الصراع داخل الجنوب ومحاولة موازنة التوترات السياسية، إضافة إلى اعتبارات تتعلق بإعادة ترتيب التحالفات.
وفي تقييمه لطبيعة الحكومة، أوضح المسلمي أنها نجحت جزئيًا في الجمع بين الكفاءة والتمثيل الجغرافي، من خلال تعيين بعض الوزراء من أصحاب الخبرة المؤسسية، لكنها في المقابل شهدت اختلالات واضحة في وزارات أخرى من حيث المؤهلات أو الخبرة أو التمثيل، فضلًا عن اتهامات بالمحسوبية العائلية في بعض التعيينات.
وأشار إلى أن ظاهرة التعيينات القائمة على القرابة السياسية أصبحت سمة بارزة في المشهد اليمني، ما يعكس — بحسب وصفه — هشاشة الشرعية المحلية واعتمادها الكبير على الدعم الخارجي.
وتطرق المسلمي أيضًا إلى ما وصفه بالدعم الإعلامي الكبير الذي حظيت به الحكومة الحالية مقارنة بحكومات سابقة، مرجعًا ذلك إلى طبيعة العلاقات السياسية والإعلامية القائمة، وليس بالضرورة إلى وجود دعم شعبي واسع.
وأكد أن الحكومة تواجه تحديات وجودية معقدة، أبرزها محدودية السيطرة الديموغرافية، وتدهور الاقتصاد والخدمات، وضعف الموارد، وتضخم الجهاز الوظيفي، إضافة إلى غياب التخطيط المؤسسي والموازنات العامة منذ سنوات.
وطرح الباحث جملة إجراءات اعتبرها الحد الأدنى لنجاح الحكومة، تشمل إعداد برنامج حكومي زمني واضح، والعودة الدائمة للعمل من الداخل، ومنع عقد الاجتماعات الرسمية خارج البلاد، وبناء مؤسسات رئاسة الوزراء، وتفعيل أجهزة الإحصاء، وإعداد موازنة حكومية واقعية.
واختتم فارع المسلمي تحليله بالتأكيد أن نجاح الحكومة — رغم الانتقادات — سيبقى أمرًا إيجابيًا لليمنيين نظرًا لحجم المعاناة الإنسانية، داعيًا المسؤولين إلى استثمار الفرصة الحالية وعدم إهدارها، سواء تجاه الشعب اليمني أو تجاه الداعمين الإقليميين.
المصدر:
عدن الغد