آخر الأخبار

كيف سقطت قداسة الخطاب الحقوقي الغربي تحت وطأة فضيحة إبستين ؟

شارك

أبرز ما كشفته القضية ليس فقط فداحة الجرائم، بل نمط المعاملة القضائية التي حظي بها إبستين في بدايات ملاحقته، وما أثير حول اتفاقات تسوية مخففة عام 2008، قبل إعادة توقيفه لاحقاً. هذا التباين غذّى انطباعاً واسعاً بأن المال والعلاقات الرفيعة قادرة على شراء الوقت، وربما تخفيف المساءلة.

في الدول التي تُقدَّم كنموذج لسيادة القانون، يُفترض أن تكون العدالة عمياء. لكن حين يُنظر إلى مسار القضية، تتسلل الشكوك: هل تعمل العدالة بالوتيرة نفسها حين يكون المتهم جزءاً من شبكة علاقات تضم سياسيين ورجال أعمال وأصحاب نفوذ؟

لم يكن إبستين شخصية هامشية. لقد نسج علاقات واسعة مع شخصيات عامة بارزة، والتقطت له صور في مناسبات اجتماعية رفيعة المستوى. وهذا لا يعني بالضرورة تورط كل من عرفه، لكن حجم الشبكة فتح الباب لتساؤلات مشروعة حول ثقافة الصمت داخل بعض الأوساط النافذة: كيف استمرت علاقاته رغم الاتهامات المبكرة؟ لماذا لم تتخذ بعض المؤسسات مسافة واضحة منه إلا بعد انفجار الفضيحة إعلامياً؟

هذه الأسئلة تضرب في صميم أخلاقيات النخبة، وتكشف خللاً في آليات المساءلة الاجتماعية قبل القانونية.

منذ عقود، تُقدِّم الحكومات الغربية نفسها باعتبارها حامية لحقوق المرأة والطفل، وتنتقد علناً دولاً أخرى بسبب إخفاقاتها في هذا المجال. غير أن فضيحة إبستين أظهرت أن الانتهاكات قد تزدهر داخل أكثر المجتمعات ادعاءً للتقدمية، إذا توفرت الحماية غير المعلنة للنخب.

هزّت القضية الثقة بالمؤسسات في الولايات المتحدة، وألقت بظلالها على صورة الديمقراطية الليبرالية عالمياً. فقد رأى كثيرون أن شبكة العلاقات المعقدة، والغموض المحيط ببعض التفاصيل، عززا الشعور بأن هناك عالماً موازياً للنخب، تحكمه قواعد مختلفة عن تلك التي يخضع لها المواطن العادي.

هذه الأزمة في الثقة مؤشر خطير على فجوة آخذة في الاتساع بين الخطاب والممارسة. وعندما تتآكل الثقة، يصبح النظام بأكمله عرضة للتشكيك، حتى لو كانت مؤسساته قادرة على التصحيح لاحقاً.

الدرس الأعمق في قضية إبستين هو أن العدالة الانتقائية أخطر من غياب العدالة. فإما أن تُطبَّق القواعد على الجميع بلا استثناء، أو يتحول القانون إلى أداة بيد الأقوياء.

إن أي منظومة سياسية- غربية كانت أم غير ذلك- تُختبر في قدرتها على محاسبة أصحاب النفوذ داخلها قبل محاسبة خصومها في الخارج. فإذا فشلت في هذا الامتحان، فإن خطابها الحقوقي يفقد صدقيته.

ليست القضية إذن مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل مرآة تعكس خللاً أعمق في العلاقة بين السلطة والثروة والمساءلة. وإذا كان ثمة طريق لاستعادة الثقة، فهو يمر عبر شفافية كاملة، ومحاسبة لا تعرف الاستثناءات، وإصلاحات تضمن ألا تتكرر مثل هذه الشبكات في الظل.

فالأنظمة التي تريد أن تُقنع العالم بقيمها، مطالَبة أولاً بأن تُثبت أن تلك القيم ليست انتقائية، ولا خاضعة لاعتبارات النفوذ والمال.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا