أكد الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الدكتور عبد العزيز العويشق، أن مسار “الاندماج الاقتصادي والشراكة الاستراتيجية” بين اليمن ودول المجلس يمكن البدء به فوراً في المناطق المحررة، دون اشتراط التوصل إلى حل سياسي شامل أو إنهاء سيطرة مليشيات الحوثي على بعض الأراضي اليمنية.
وأوضح العويشق، في مقابلة مع قناة “الإخبارية” السعودية، أن رؤية مجلس التعاون تجاه اليمن تستند إلى أربعة مسارات استراتيجية مترابطة: سياسي، وأمني، واقتصادي، واجتماعي، مؤكداً أن هذه المسارات تشكل الأساس لأي شراكة مستدامة بين الجانبين.
اتفاقية صنعاء وخطة العشرين عاماً
وأشار المسؤول الخليجي إلى أن “اتفاقية صنعاء 2002” شكلت اللبنة الأولى لمواءمة القوانين اليمنية مع نظيراتها الخليجية، خصوصاً في المجالات الاقتصادية، لافتاً إلى أنه جرى تحقيق تقدم ملموس بين عامي 2002 و2014، لا سيما في قوانين الجمارك والمواصفات والمقاييس، وانضمام اليمن إلى عدد من الهيئات الخليجية ذات الصلة.
وبيّن أن قادة مجلس التعاون أقروا في عام 2006 خطة تمتد لعشرين عاماً لدمج الاقتصاد اليمني تدريجياً في المنظومة الخليجية، غير أن انقلاب جماعة الحوثي عام 2014 تسبب في تباطؤ هذا المسار وتعطيل الاندماج الطبيعي الذي كان مخططاً له.
أربعة أبعاد للشراكة
وفي تفصيله للأبعاد الأربعة للشراكة الاستراتيجية، أوضح العويشق أن: البعد السياسي يتمثل في دعم سيادة اليمن ومنع التدخلات الخارجية في شؤونه، مشيراً إلى التدخل الإيراني ودعمه المستمر للحوثيين.
البعد الأمني يركز على مكافحة الإرهاب، بما في ذلك نشاط تنظيمي “القاعدة” و”داعش”، إضافة إلى حماية الأمن البحري ومنع تهريب الأسلحة عبر السواحل اليمنية.
البعد الاقتصادي يقوم على إعادة تفعيل التكامل التجاري والاستثماري، مشيراً إلى أن الاستثمارات الخليجية كانت تمثل نحو 80% من إجمالي الاستثمارات في اليمن قبل عام 2014، وأن السعودية كانت الشريك التجاري الأول.
البعد الاجتماعي والثقافي يرتبط بالروابط التاريخية والجغرافية بين اليمن ودول الخليج، خصوصاً المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
وأكد أن هذه الأسس الأربع تمثل الإطار الذي أشار إليه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في دعوته، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى تعزيز الشراكة اليمنية الخليجية، مع إقراره بأن الظروف الحالية قد لا تسمح بعضوية كاملة في مجلس التعاون في الوقت الراهن.
لا تعارض بين النظم السياسية والشراكة
ورداً على تساؤلات بشأن اختلاف النظام السياسي اليمني (الجمهوري) عن الأنظمة الخليجية، شدد العويشق على أن الشراكة الاستراتيجية لا تتطلب تماثل الأنظمة السياسية، بل “نظرة موحدة تجاه الأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي”.
واستشهد بتجارب مجلس التعاون في بناء شراكات استراتيجية مع دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين، رغم اختلاف أنظمتها السياسية، مؤكداً أن معيار الشراكة يقوم على المصالح المشتركة والتكامل، لا على التطابق السياسي.
فجوة اقتصادية متسعة
وسلط المسؤول الخليجي الضوء على التحديات الاقتصادية، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لليمن تراجع من 43 مليار دولار قبل انقلاب الحوثيين إلى نحو 17 مليار دولار حالياً، ما يعني فقدان نحو 60% من قيمته.
ورغم اتساع الفجوة بين الاقتصاد اليمني ونظيره الخليجي، أكد أن قرار دول المجلس بدمج الاقتصاد اليمني ما يزال قائماً، وأن التكامل ذاته يمثل أداة لردم هذه الفجوة، خصوصاً في ظل ما وصفه بفرصة مواتية بعد توحيد الخطاب الحكومي في المناطق المحررة.
وأوضح أن قرار المجلس الأعلى يشترط التوصل إلى حل سياسي قبل بحث “الاندماج السياسي”، لكن الاندماج الاقتصادي والشراكة الاستراتيجية يمكن العمل عليهما في المرحلة الحالية، حتى مع استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء من البلاد.
أهمية استراتيجية وأمن بحري
وشدد العويشق على أن اليمن يمثل أهمية استراتيجية كبرى لدول الخليج، بوصفه جزءاً أساسياً من أمن الجزيرة العربية، نظراً لإشرافه على سواحل واسعة تمتد على خليج عدن والبحر العربي وباب المندب والبحر الأحمر.
وأشار إلى أن الحكومة اليمنية تسيطر قانونياً على معظم السواحل، لكنها بحاجة إلى دعم قدراتها، خصوصاً في مجال خفر السواحل، لمنع تهريب الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمكن الحوثيون من إدخالها خلال السنوات الماضية.
وأكد أن دعم قدرات اليمن البحرية يمثل ضرورة لحماية الممرات الملاحية وأمن الطاقة، معتبراً أن استيعاب اليمن ضمن منظومة التكامل الخليجي هو خيار استراتيجي، وليس عبئاً سياسياً أو اقتصادياً.
وختم العويشق بالتأكيد على أن الفرصة الحالية، في ظل توحيد موقف الحكومة اليمنية، تتيح الدفع قدماً بمسار الشراكة الاستراتيجية، بالتوازي مع العمل للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي الأزمة ويعيد لليمن استقراره.
المصدر:
عدن الغد