الإمارات لم تعد تعتمد على الحضور العسكري المباشر كما في السابق، بل انتقلت إلى استراتيجية النفوذ غير المباشر عبر حلفاء محليين يمتلكون حضوراً ميدانياً وقدرة على التحشيد. المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل رأس الحربة في هذه المعادلة، ليس فقط بوصفه كياناً سياسياً، بل باعتباره شبكة أمنية وعسكرية وإدارية متغلغلة في مفاصل عدة من الجنوب. إلى جانب ذلك، تحافظ أبوظبي على قنوات تأثير متعددة، من تشكيلات مسلحة ذات طابع مناطقي أو سلفي، إلى منصات إعلامية قادرة على توجيه السردية وتشكيل الرأي العام. هذا التراكم يمنحها قدرة على المناورة والضغط بدون أن تتحمل الكلفة السياسية الكاملة لأي تصعيد.
في المقابل، تبدو الرياض مثقلة بملفات تتجاوز قدرتها على الإدارة الفعالة. فالتدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية في مدن الجنوب، وعلى رأسها عدن، أضعف صورة السعودية كراعٍ للاستقرار، وأفقدها جزءاً مهماً من الرصيد الشعبي الذي حاولت البناء عليه. العجز عن معالجة أزمات الكهرباء والرواتب وسعر العملة لا ينعكس فقط في احتجاجات موسمية، بل يتحول إلى مخزون غضب قابل لإعادة التوجيه سياسياً. وهنا تكمن إحدى نقاط التفوق الإماراتي، إذ تستطيع عبر أدواتها الإعلامية والسياسية أن تعيد صياغة هذا السخط بحيث يُحمَّل للرياض بوصفها الطرف الممسك بزمام الشرعية والمسؤول الأول عن الأداء الحكومي.
المفارقة أن السعودية، بمحاولتها تحجيم بعض حلفائها أو إعادة ترتيب المشهد السياسي، قد تجد نفسها تدفع بهم إلى مزيد من التصلب أو حتى المناورة ضدها. فالقوى المحلية في الجنوب لا تتحرك بدافع الولاء بقدر ما تحكمها حسابات براغماتية صرفة، تبحث عن التمويل والغطاء السياسي وموازين القوة على الأرض. ومع كل خطوة سعودية يُنظر إليها كإقصاء أو تهميش، تتعزز سردية أن الرياض عاجزة عن فهم تعقيدات الجنوب أو التعامل معه كشريك متكافئ، وهو خطاب يجد صدى في بيئة تعاني أصلاً من شعور مزمن بالتهميش.
في ظل هذه المعادلة، تتشكل ملامح استنزاف طويل الأمد. فالسعودية مطالبة بتمويل الحكومة، ودعم العملة، وضبط الأمن، واحتواء الخصوم، في وقت تتعرض لضغوط داخلية وخارجية، بينما تستطيع الإمارات العمل من هامش أوسع، مستثمرة تناقضات الساحة الجنوبية بدون أن تتحمل العبء المالي نفسه. وكلما طال أمد الأزمة الخدمية والاقتصادية، ازداد احتمال انفجار احتجاجات واسعة قد لا تبقى موجهة ضد طرف واحد، بل قد تتحول إلى موجة غضب عارمة تعيد رسم خطوط الاشتباك السياسي.
وسط هذا كله، يظل المواطن الجنوبي الحلقة الأضعف في معادلة تتصارع فيها الإرادات الإقليمية. فهو من يدفع ثمن الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وتدهور العملة، وغياب الرواتب، وانعدام اليقين. وبينما تتنافس القوى على النفوذ والتمثيل، تتآكل المساحة التي يمكن أن تتشكل فيها إرادة محلية مستقلة تعبر عن أولويات الناس اليومية. ومع استمرار الصراع على شكل كسر إرادة متبادل، تتضاءل فرص الاستقرار الحقيقي، ويغدو الجنوب ساحة مفتوحة لتجاذبات لا يبدو أن نهايتها قريبة، فيما يبقى الأمل معلقاً على قدرة اليمنيين أنفسهم على استعادة زمام المبادرة بعيداً عن رهانات الخارج وصراعاته.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية