الهشاشة الأمنية الحالية ليست مجرد نتيجة لقصور مؤسسات الدولة المحلية، بل هي انعكاس لمجموعة متشابكة من العوامل السياسية والعسكرية والإقليمية التي أضعفت قدرة حكومة التحالف على فرض سيطرتها وإعادة الاستقرار.
هذه التصريحات تكشف بوضوح أن الترتيبات الأمنية التي حاولت السعودية فرضها بعد انسحاب الإمارات لم تحقق النتائج المرجوة، وأن الوضع على الأرض أكثر هشاشة مما كان عليه قبل أشهر قليلة، مما يضع الرياض أمام اختبار صعب في دورها كلاعب أساسي في الجنوب اليمني.
حجم الحكومة الجديدة الذي يضم 35 وزيرًا يعكس تحديًا داخليًا واضحًا، إذ أن الحكومة الأكبر من المعتاد تواجه صعوبة أكبر في التنسيق واتخاذ القرارات بسرعة، خاصة في بيئة مضطربة أمنيا وسياسيا.
القرار بتوسيع الحكومة كان على الأرجح محاولة لتوازن بين الضغوط السياسية والمناطقية، وتقديم تمثيل جغرافي أوسع للمحافظات الجنوبية. ومع ذلك، تشير هذه الترتيبات إلى أن اعتبارات “المراضاة” السياسية طغت على معايير الكفاءة، وهو ما يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي الذي يروج لمعايير الكفاءة وبين الواقع الميداني الذي يعكس ضعف الأداء.
هذه الفجوة لا تؤثر فقط على قدرة حكومة المرتزقة على اتخاذ قرارات فعالة، بل تزيد من صعوبة إدارة التحديات الأمنية المتزايدة، خصوصًا مع وجود فراغات أمنية واضحة في عدن ومحافظات جنوبية أخرى.
تعقيد المشهد الأمني يظهر بوضوح في المحاولات المستمرة لتوحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة. هناك فصائل تتبع وزارة دفاع حكومة عدن، وأخرى تعمل خارج نطاقها، ومجموعات مسلحة غير واضحة الولاء ومصادر التمويل، ما يجعل الدمج بين هذه القوى عملية مكلفة ومطولة على المستويين المالي والسياسي.
إضافة إلى ذلك، التباين في العقائد العسكرية بين هذه الفصائل يزيد من صعوبة توحيدها تحت مظلة واحدة، ويجعل أي تنفيذ عملي للخطط الأمنية الرسمية أبطأ بكثير مما كان متوقعًا. هذا الواقع يشير إلى أن السعودية، رغم محاولاتها لتثبيت الاستقرار في الجنوب، تواجه تحديات أكبر بكثير مما توحي به تصريحاتها الرسمية، وأن أي استراتيجية لإعادة السيطرة يجب أن تراعي الديناميات المحلية المعقدة والفصائل المسلحة ذات المرجعيات المتعددة.
تأخر حكومة التحالف في العودة إلى عدن يعكس أيضًا الواقع السياسي المعقد، حيث يشكل المجلس الانتقالي الجنوبي عقبة رئيسية أمام أي محاولة لإعادة تثبيت السلطة. ممارسات المجلس الانتقالي أعاقت تكوين قاعدة مستقرة يمكن أن تنطلق منها جهود حكومة عدن نحو الشمال أو مواجهة التهديدات الأمنية بشكل فعال.
هذه الديناميكية الداخلية توضح أن التحديات في الجنوب ليست مجرد مسألة أمنية، بل ترتبط بصراعات سياسية ومناطقية، تجعل أي خطوة حكومية محفوفة بالمخاطر، وتضع الرياض أمام معضلة استراتيجية حول كيفية التعامل مع الأطراف المحلية دون إثارة صراعات إضافية.
التصريحات الأخيرة أيضًا تشير إلى أن أي توجه قد يقوده المرتزقة نحو العاصمة صنعاء في المرحلة الحالية يبدو غير منطقي، إذ تتطلب هذه الخطوة وجود قاعدة مستقرة في الجنوب، وهو ما لم يتحقق بعد.
هذا يضع حكومة عدن في مأزق مزدوج: فهي مضطرة للعودة إلى الجنوب لإثبات وجودها، وفي الوقت نفسه غير قادرة على التقدم نحو الشمال بسبب الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية. الواقع الحالي يفرض على الحكومة التعامل بحذر شديد مع أي خطوة، لأن أي تحرك غير محسوب قد يؤدي إلى تفاقم الفراغ الأمني وتوسيع دائرة العنف والفوضى. كما يمكن أن يفهم من تصريحات النعمان.
من الناحية الاستراتيجية، تكشف تصريحات المسؤول عن أن السعودية تواجه صعوبة كبيرة في تحقيق أهدافها في الجنوب اليمني. فمحاولات الرياض لفرض الأمن وإعادة السيطرة على المحافظات الجنوبية لم تنتج استقرارًا ملموسًا، ويرجع ذلك إلى التحديات المالية والسياسية المرتبطة بدمج القوات، والاختلافات العقائدية بين الفصائل، بالإضافة إلى ضعف التنسيق بين الحكومة والمجلس الانتقالي.
علاوة على ذلك، تؤكد هذه التصريحات أن دور السعودية في اليمن ليس مجرد توفير الدعم العسكري، بل يشمل محاولة إدارة صراعات محلية معقدة ومتعددة الأطراف، وهو ما يجعل المهمة أكثر صعوبة من مجرد تنفيذ ترتيبات أمنية محددة.
بالإضافة إلى ذلك، يظهر أن الهيكل الإداري والسياسي للحكومة الجديدة، رغم كبر حجمه، لم يتمكن بعد من تقديم حلول فعالة للهشاشة الأمنية. حجم الحكومة الكبير، إلى جانب الاعتبارات السياسية التي أسهمت في تشكيلها، أدى إلى ضعف قدرة الوزارات على التنسيق، وتأخير اتخاذ قرارات حاسمة في مواجهة التحديات الأمنية.
هذه الفجوة بين الطموحات السياسية والقدرات الفعلية على الأرض تعكس محدودية فرص حكومة عدن الجديدة في استعادة الأمن بشكل سريع، وتجعل أي تقييم للنجاح المبكر مشكوكًا فيه.
تدل تصريحات نائب وزير خارجية حكومة عدن على أن الحكومة والمجلس الرئاسي يواجهان اختبارًا لقدرتهم على إعادة السيطرة الأمنية والسياسية، وأن أي محاولة لإعادة الاستقرار تتطلب إعادة النظر في الاستراتيجية الحالية، بما يشمل التعامل مع المجلس الانتقالي، ودمج القوات المسلحة، ومعالجة الفراغات الأمنية، وموازنة التحديات المالية والسياسية.
كما تشير إلى أن السعودية، رغم دعمها المعلن، تواجه قيودًا كبيرة على قدرتها على التأثير في المشهد الأمني والسياسي، وأن أي نجاح طويل الأمد يحتاج إلى جهد مركّز ومتعدد الأبعاد، وليس مجرد إجراءات مؤقتة أو حملات إعلامية لتسويق الإنجازات.
في المجمل، تشير هذه المعطيات إلى أن الوضع الأمني في جنوب اليمن، وبشكل خاص في عدن، أكثر هشاشة وتعقيدًا مما كانت السلطات السعودية وحكومة عدن ترغب في إظهاره.
التحديات متعددة المستويات، تشمل الأمن والسياسة والاقتصاد والتمويل، وتحتاج إلى استراتيجيات متكاملة وطويلة الأمد للتعامل معها بفاعلية. في ظل هذه البيئة، أي خطط لإعادة السيطرة على الجنوب يجب أن تراعي الواقع المحلي المعقد، وأن تتعامل مع الفصائل المسلحة المتعددة المرجعيات بعناية، لتجنب تفاقم الأوضاع الأمنية والسياسية، وتحقيق استقرار حقيقي ومستدام في المنطقة، وهو ما قد لا يتحقق.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية