يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد النعماني أن امتلاك القوة أو عدالة القضية لا يكفي وحده في العمل السياسي، مؤكدًا أن القدرة على إدارة الصراع ضمن توازنات داخلية وخارجية معقدة هي العامل الحاسم. ووفق هذا المنظور، فإن ما واجهه المجلس الانتقالي الجنوبي لا يُعد أزمة نوايا أو شرعية شعبية، بقدر ما هو أزمة بنية وخيارات تراكمت تدريجيًا حتى تحولت إلى نقاط ضعف بنيوية تستثمرها أطراف أخرى بذكاء.
ويشير النعماني إلى أن أحد أبرز هذه الإشكاليات يتمثل في تعدد مراكز القوى والولاءات الموازية، إذ لا يسيطر المجلس الانتقالي على كامل الخريطة السياسية والاجتماعية في الجنوب. ففي محافظات مثل حضرموت والمهرة، وأجزاء من أبين وشبوة، توجد قوى محلية وقبلية وسياسية لا تنخرط في مشروعه أو تعارضه علنًا، وهو ما خلق – في ظل غياب إطار وطني جامع – بيئة مثالية لتغذية التناقضات الجنوبية–الجنوبية، وإضعاف الموقف التفاوضي، وتحويل القضية من ملف سياسي إلى نزاع داخلي مفتوح على الاستنزاف.
وفي السياق ذاته، يلفت النعماني إلى أن التبعية المالية واللوجستية شكّلت نقطة ضعف مركزية، فعلى الرغم من الكفاءة القتالية للقوات الجنوبية، إلا أن اعتمادها شبه الكامل على التحالف في المرتبات والميزانيات التشغيلية والإمداد العسكري والغطاء الجوي، جعل هامش المناورة السياسية محدودًا. ويؤكد أن الحليف حين يكون هو ذاته الممول، فإن فرض شروط تفاوضية حقيقية يصبح أمرًا بالغ الصعوبة، مهما كانت عدالة القضية المطروحة.
كما يتوقف النعماني عند ازدواجية الدولة والثورة، معتبرًا أن مشاركة المجلس الانتقالي في السلطة، عبر مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وضعته في مأزق سياسي معقد، حيث حمّلته هذه المشاركة التزامات قانونية ودولية قيدت قدرته على اتخاذ قرارات راديكالية، وأفقدت الخطاب الثوري جزءًا من زخمه وصدقيته، مع تحوّل القرار السياسي إلى رهينة حسابات الشرعية الخارجية والحقائب الحكومية.
ويضيف أن غياب البديل الاقتصادي المستقل مثّل عاملًا حاسمًا في تعميق الأزمة، إذ لم ينجح المجلس في بناء منظومة فاعلة لإدارة الموارد المحلية، سواء في الموانئ أو الضرائب أو النفط، ما أبقى قراره السياسي مرتهنًا للمساعدات والودائع الخارجية. ويخلص النعماني إلى أن أي مشروع سياسي لا يمتلك اقتصاد الصمود، لا يمكنه امتلاك قرار الصمود.
ويختتم النعماني تحليله بالتأكيد على أن المجلس الانتقالي يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما إجراء مراجعات عميقة وجادة لتصحيح المسار، أو الدخول في مرحلة تآكل بطيء قد تفرض لاحقًا واقعًا سياسيًا جديدًا، تُعاد فيه صياغة القيادة والخيارات تحت ضغط التحولات الداخلية والخارجية.
المصدر:
عدن الغد